الناسخ والمـنسوخ

قال الله تعالى : ( ما ننسخ من أية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أنّ الله على كل شيء قدير ) البقرة 106 فقال : ( ما ننسخ من آية ) ما نكتب من آية وقال : ( أو ننسها ) ينسها الرسول لقوله تعالى : ( سنقرئك فلا تنسى ، إِلا ما شَاء الله ) الأعلى 6 – 7 قال تعالى ( نأت بخير منها ) نبدلها بحكم آخر  وقال : ( أو مثلها ) أي لا تختلف عنها

لقول الله تعالى : ( هّذا كتابنا ينطق عليكم بالحقّ إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) الجاثية 29 قال تعالى : ( كنا نستنسخ ) كنا نستكتب . قال ابن عباس ( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) قال : هو أمّ الكتاب فيه أعمال بني آدم ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) قال : نعم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم. وقال البغوي : والاستنساخ لا يكون إلا من أصل فينسخ كتاب من كتاب

جاء في قول البغويّ وهو الأجنح عندي للصواب : والنسخ في اللغة شيئان أحدهما : بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى كتاب فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ . وما تنزلت فيه آية فيها بشرى للمؤمنين إلاّ واختلف حولها الفقهاء أن كانت منسوخة مبدلة فأخذوا بالترك حتى ترك معظم القرآن وقد قال الله تعالى : ( لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ) يونس من الآية 62

وقال تعالى : ( وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلمته وهو السميع العليم ) الأنعام 115 وقال الله تعالى : ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) القمر 22 أي أن الله سهله غاية التسهيل لمن أراد أن يعتبر ويتعظّ به والقرآن لم يُفسر على نحو إلّا لِيتدبّره ويتذكره أولي الألباب دونما هجره والاجتهاد فيه وقد قال الله تعالى : ( وكتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ) ص 29

وقال الله تعالى ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) محمد 24 النساء وقد هجروه إلى غيره أي أنهم يتدبرون في كتب الأحاديث والصحاح دونا عن القرآن ويبدلون بالأحاديث آيات من القرآن وقد قال الله تعالى : ( وقال الرسول يا ربّ إن قومي أتخذوا هذا القرآن مهجورا ) الفرقان 30

وقال الله تعالى : ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) النساء 82 فإن لا يسهل الكذب على القرآن وهو محفوظ ويسهل الكذب على لسان النبيّ ﷺ وقد قال النبي ﷺ : ( من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) وقد جاء أقوال العلماء في نسخ أحكام القرآن : فقال السدي : ( ما ننسخ من آية ) نسخها قبضها وقال ابن أبي حاتم : يعني قبضها رفعها مثل قوله : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة .

جاء في تفسير ابن كثير فقال زيد : كنا نقرأ : والشيخ والشيخة فارجموهما البتة قال مروان : ألا كتبتها في المصحف قال : ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب فقال : أنا أشفيكم من ذلك قال قلنا فكيف قال جاء رجل إلى النبي قال : فذكر كذا وكذا وذكر الرجم فقال : يا رسول الله اكتبني آية الرجم : قال : لا أستطيع الآن أو قال نحو ذلك

وقد قال الله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) النور 2

لقد جاء في : قول الإمام مالك أخرج في الصحيحين من حديث مالك مطولا : إن ابن عباس أخبره أنّ عمر رضي الله عنه، قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد أيها الناس فإن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها ورجم ورجمنا بعده فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل : لا نجد آية الرجم في كتاب الله

وروى الإمام أحمد فيما نقل عنه عن ابن عباس : حدثني عبد الرحمن بن عوف أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول : ألا وإنّ أناسا يقولون : ما بال الرجم في كتاب الله الجلد لكنه سيّان إن يقولون : ما بال الجلد في كتاب الله الرجم ؟ فمن كان أعلم متقدما أن يأتي زمانا يطول بالناس فيقولون ذلك فيه متأخرا

قال الله تعالى ( فإذا أُحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) النساء من الآية 25 فإذا كان على الإماء نصف ما على الحرائر فكيف يتناصف الرجم إلّا أن كان كلّه تدليسا أُجري زورا وبهتانا على ألسنة العلماء لقول الله تعالى : ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) فصلت 26

وعندما هُجر القرآن وهو أولّ التشريع محي حكم القرآن بحكم مختلفا آخر حُسب أنّه غنيّ عنه وهو منسوخا في القرآن وما يُردّ شيئا إلى القرآن إلّا مقترنا وثابتا بما يجيزه أو يحظره العلماء وقد قال الله تعالى : ( إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنّ لهم أجرا كبيرا ) الإسراء 9

جاء في تفسير الطبري في هذه الآية قوله تعالى ( للتي هي أقوم ) يقول : للسبيل التي هي أقوم من غيرها من السبل كما قال ابن زيد، في قوله تعالى ( إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) قال : التي هي أصوب: هو الصواب وهو الحقّ قال : والمخالف هو الباطل.

قال الله تعلى : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعلن الله لهن الله سبيلا ) النساء 15 جاء في الطبري قول أبي جعفر : فامسكوهن في البيوت يقول : فاحبسوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت يقول :

حتى يمتن أو يجعل الله لهن سبيلا يعني : أو يجعل الله لهن مخرجا وطريقا إلى النجاة مما أتين به من الفاحشة فكان قول أبو جعفر هو عين الصواب من بين أقوال العلماء وقد روي عن ابن عباس قوله دون بلوغه المراد : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ( إلى ) أو يجعل الله لهن سبيلا ) : ( فإن كانا محصنين رجما فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما )

وروي عن مجاهد : ( فأمسكوهن في البيوت ) أمر بحبسهن في البيوت حتى يمتن أو يجعل الله لهن سبيلا ) قال ( سبيلا ) : الحدّ – ولو أنه الحدّ فما قد جعل الله لهن من سبيل وما ذلك بسبيل وما يستوي الرجم مع سماحة وعدالة دين الإسلام وهو دين الرحمة بل تأنف منه القلوب الرحيمة والفطر السليمة

وقيل : ( واللاتي يأتين الفاحشة ) حتى بلغ : ( أو يجعل الله لهن سبيلا ) كان هذا من قبل الحدود لكن الله تعالى ذكر حده بالجلد في قوله تعالى : ( فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) وسمع الضحاك بن مزاحم أنه يقول : ( أو يجعل الله لهن سبيلا ) قال : الحدّ نسخ الحدُّ هذه الآية )

أفأن توفاهن الله لكانت وفاتهن مخرجا وطريقا للنجاة على أن يجعل الله لهن من سبيل لكنهم قالوا الجلد في كتاب الله والرجم في سنّة النبي ﷺ لكن النبيّ ﷺ في حديث قال : ( فعليكم بما عرفتم من سنتي ) لكن في زمن الاختلاف وغربة الإسلام وتفشى الجهل في آخر الزمان ما تُعرف كمال وتمام سنته ﷺ على أن يُعرف تمام وكمال القرآن

فقيل هذا لئلا يكون الحكم مختلفا متناقضا بكتاب الله مزدوجا بفعل قد فعله النبي ﷺ ولم يفعله ﷺ قطّ لكن لا يعلمه سوى العلماء وقد قال الله تعالى : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلّا الظنّ وإن هم إلّا يخرصون ) الأنعام 116

وقال ابن جرير : ( ما ننسخ من آية ) ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره وذلك أن يحول الحلال حراما والحرام حلالا والمباح محظورا والمحظور مباحا ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ . وأصل النسخ من نسخ الكتاب وهو نقله من نسخة أخرى إلى غيرها فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبادة إلى غيرها وسواء نسخ حكمها أو خطها إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة

لكن الصحيح في أصل النسخ هو ما نقل معناه من الكتب السابقة كتب في القرآن أي أنّه نسخ من اللوح المحفوظ كما نسخت التوراة والإنجيل وما نسخ منه قبلهما من كتبه وصحفه التي أنزلها االله تعالى تواليا على أنبياءه ورسله وقد قال الله تعالى : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) الأنعام من الآية 38 يعني لم يفرط الله شيئا من أمّ الكتاب الذي عند لدنه في السماء موافقا لم أنزل الله من كتبه على أنبياءه ورسله جميعا

وما يحاسب الله الناس بأقوال علماءهم بل الله يحاسب الناس بما أنزل إليهم من كتبهم على لسان رسلهم وأنبياءهم لقد قال الله تعالى : ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا وليتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) الكهف 49

وكما جاء من الأقوال : وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ والأمر في ذلك قريب لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء أفأنزل الله القرآن على العلماء أم أنزله على محمد فما قيل مخالفا القرآن على ألسنة العلماء إلاّ ما يكون من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين

وما قولا يؤخذ ولا يردّ غير قوله ﷺ وقد الله تعالى : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إنّ الله شديد العقاب ) الحشر 7 وما ينظق عن الهوى ﷺ إن هو إلّا وحي يوحى لكن الكذب والافتراء على النبي ﷺ كان على أشده على مرّ الأزمان وما يُنظر حكمه مبيّنا في القرآن

لقد قال النبيّ ﷺ : ( أخوف ما أخاف على أمتي أئمة مضلين ) وقال الله تعالى : ( إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعدما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم )

التعليقات مغلقة.

الحقوق محفوظة لموقع مدونتي تصميم وبرمجة شركة حياة هوست