شجرة الجينات

كُشف عن علم الجينات الذي أحدث في حينه دويّا هائلا في العالم لمّا كان يعد بفتح آفاق معرفيّة واسعة جديدة كانت ستقود العالم إلى ما وراء المجهول ! إن ما دفع الباحثين لإجراء تلك الفحوص المختبرية الدقيقة هو معالجة الأمراض المستعصية لكن هذا الكشف الذي عاد بخفي حنين أزال حجبا عن بعض من النصوص الدينية التي تتحدث عن اتصال حقيقي يجري بين الجن والإنس بما يمكن ربطه وثيقا بعلم الجينات فيما يطرأ من المتغيرات على أنماط الصفات والسلوك !

إنّ ليس ثمّة للجن وجود قد يستوي إليه عقل البشر! لكن الجن ذُكر كثيرا في القرآن وقد يعبّر أولئك البسطاء بتلبس الجنّ بالإنسان دون حاجتهم أن يسوقوا دلائل ماديّة غير ما ينعكس على السلوك جراء الابتعاد عن الطاعات هؤلاء يتصفون بشدة بالإيمان لكنهم عادة ما يقابلون بالاستهجان وينعتون بالتخلف، والرجعية عدا عن أولئك الذين يبدون عاجزين عن التصديق

إنّ كلمة الجن في كل لغات العالم تعني الأشياء المحجوبة عن النظر لكن الظاهر يترك أثرا دالا على ما يكون في الخفاء؛ وليس كلّ غير منظور، يكون في العدم إنّ معنى لفظ الجنّ في اللغة هو تواريه عن الأعين كالجنين، متوار في بطن أمّه وقد وردت أمثلة عديدة في القرآن فقد جاء قول الله تعالى ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنّة في بطون أمهاتكم ) النجم من الآية 32

وكذلك لفظ الجنّة فقد جاء في الحديث القدسيّ قوله تعالى : ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. مصداقا لقوله تعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) السجدة 17 كما جاء في قوله تعالى : ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) أي يا محمد نعمة ربك ليست جنيّة أي خفية عليك ويقال في لغة العرب : جِنَّ ، جُنونًا وجَنًّا وجَنانًا ، فهو جانّ

وفي قوله تعالى ( من شرّ الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنّة والناس ) سورة الناس قال ( من شر الوسواس الخناس )  الذي يخنس أي يظهر ويختفي وقال :  ( في صدور الناس ) وهو مكان الوسوسة التي تكون في الصدور قال من ( الجِنّة ) أي من الخفية وقال : ( والناس ) أي ما يصيب من شرار الناس

لقد ختم الله الرسالات السماوية بالقرآن الذي جاء فصيحا بلغة العرب فلقد قال تعالى ( إنّا أنزلناه قرآنا عربيّا لعلكم تعقلون ) يوسف 2 وقال تعالى ( نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من المنذرين * بلسانٍ عربيٍ مبين ) الشعراء 195″ فالعربية هي اللغة المبينة القادرة على التأويل فالعربية تحمل على مئات مماثلة من الأسماء وتزخر بالاشتقاقات وتنوع المصادر وتحاكي بدقة متناهية صوت الأشياء والعربية تحمل معاني الكلمات لكنها أيضا تحمل معان ذاتية للحروف

إنّ ذلك الاتصال المجهول الذي يحدث بين الجنّ والأنس أشبه ما يكون بمعادلة رياضيّة تعويضية مختزلة إنّ كلمة قياسية تجمع بين الجنّ والإنس ذات دلالة نوعية واحدة هي كلمة : (جنس ) إنّ أحرفا كهذه لم تأتِ بتوافق صحيح محض صدفة

إنّ صفة كالوفاء هي من الصفات الحميدة الصفات متفاعلة قبلا في مكونات التربة تحمل منها نسبة عالية إنّ عكس هذه الصفات هي الصفات الذميمة تحمل أيضا نسبا عالية لكن عليها جميعا الالتئام إنّ لكلّ واحدة من الصفات جين مخلوق موصل بالعقل إن عنوان الصفات الرئيس هو الشجاعة الكيمياء وهي أصل لكلمة عربيّة الكيم والماء الكيم في لغة العرب تعني الشجاعة إنّ كثيرا من العلوم اكتشفها المسلمون الأوائل كانوا يتحدثون لغة العرب .

عندما يحدث عطب في الجينات بسبب ناقل خارج عن المألوف قد يؤدي إلى ضمور في العقل يولد به الإنسان مما ينتج عنه أمراض الإعاقة ويمكن أن يحدث أشدّ من ذلك العطب من خلال عوامل البيئة إننا لن نكون مسؤولين عن عمل جيناتنا بقدر ما نكون مسؤولون عن شيء آخر

لكن لا بدّ أن يكون لهذه الصفات وجود ماديّ ملموس يستحيل رؤيته بمنظار مبتكر آخر عدا ما يمكن تعريته من الخارج من خلال مراقبة السلوك وماديّة تلك الصفات إنّ أصحاب السلوك القويم هم من ينعمون بقلوب سليمة هؤلاء يقضون على الطفرت الجينيّة ويقون أنفسهم وأبناءهم من شر المرض ما يقيهم من المرض في حين يفتك بالآخرين هو جهاز المناعة

لقد قال الله تعالى ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ) وقال الله تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) الكهف الآية 50 : في قوله تعالى ( كان من الجنّ ) أي أنه كان في خفية عن أمر ربه أن فضل عليه خلق آدم وقد خلقه من نار وخلق آدم من طين

جاء في القرآن العظيم قوله تعالى ( ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجنّ قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذأي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ) الأنعام 128
إنّ في هذه الآية الكريمة ما يشير قطعا إلى وجود علاقة استمتاعية مشتركة بين الجنّ والإنس عند قوله تعالى ( ربنا استمتع بعضنا ببعض ) إنّ ذلك الاستمتاع لا يكون إلاّ استمتاعا ماديّا في الجسد فالجن والأنس عندما يأتون المحرمات فإنهم يأتون معا سلوك واحد

جاء في سورة الرحمن قوله تعالى : ( سنفرغ لكم أيها الثقلان، فبأي آلاء ربكما تكذبان ) الآية 32 وهو خطاب أيضا موجه للجن والإنس معا أما قوله تعالى الثقلان أي اللذان يثقل أحدهما على الآخر من حصول بينهما ذلك التأثير في محلّ واحد يتمّ فيه ارتكاب الجرم والذي يستحقّ عقابا واحد أيضا وقال تعالى ( يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ) إنهمّا هنا يعاقبان بعذاب واحد

جاء في القرآن قوله تعالى : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ( 179 ) فقد شبه الله الضالين من الجن والإنس في هذه الآية الكريمة أنهم كالأنعام يعيشون بالغرائز لأنّ الأنعام لهم غرائز كالبشر لكن الخطاب في هذه الآية الكريمة موجها للجن والأنس

قال تعالى : ( خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار ) وقال تعالى في خلق الجن ( والجان من قبل من نار السموم ) الحجر/27 فبين الله تعالى أنه خلق الإنسان من حمإ مسنون وقال تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون ) الحجر 26 وهو الطين الأسود الرطب اللزج اللازب الذي يكون في سبخ الأرض موافقا قوله تعالى : ( فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب ) 11 الصافات

تشير هذه الآيات القرآن الكريمة إلى خلق الإنس دونا من الجن إلى نوع من التضاد والمقايسة والتفاضل إلى نوع من الحسد لقوله تعالى : ومن شر حاسد إذا حسد كما جاء على لسان الشيطان في هذه الآية ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) إنّ خلق من الطين أشدّ مايكون ضعفا وقد قال تعالى : ( وخلق الإنسان ضعيفاً )

لقد جاء قوله تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) الكهف 50 وردت هنا صفة مذمومة لإبليس هي الفسق وقال تعالى ( إلاّ إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه) أي جنّ على إبليس كونه من الجنّ فخفي عليه أمر ربّه فقادته جِنته تلك إلى ذلك الفسوق ثم تشير الآية الكريمة إلى ذريّة إبليس معادلة لذريّة آدم حيث أنّ لكلّ من ذريّة آدم قرينه من الجن كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم : ( ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن )

علينا أن نعلم عن تناسل ذريّة الشيطان وقد جاء في قوله تعالى: ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ) البقرة الأية 34 لا نعلم ماهية ذلك السجود الذي سجدته الملائكة لأبينا أدم – مالم نحمله على المجاز – فهو تكريم لأبينا آدم وإنّ الأباء والاستكبار كانتا صفة للكافرين

لقد حذرنا الله مليّا من الشيطان ووصفه أنه لنا عدو مبين فقال الله تعالى : ( إنّ الشيطان للإنسان عدو مبين ) يوسف 10 وقال الله تعالى ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا ) قال الله تعالى : ( قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين ) ص الآية 83 فقال إبليس (فبعزتك) أي بإذن منك إنّ الله لم يسلط علينا عدّوا من غير أنفسنا وقد لا يعينينا ذلك شيئا إذا كان الشيطان يعمل خارج نفوسنا لكن ذلك الخناس الذي يختفي ويظهر يعمل في صدورنا وليس يعمل في مكان آخر

لقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم ) فأوجب الشارع التعوذ منه لئلا نقع في شراكه لقوله تعالى : ( وإمّا ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنّه سميع عليم ) لماذا لا نتعوذ منه فهو حجة لنا وليس حجة علينا إنّ الشيطان لن ينزغ بيننا مالم يقبع في نفوسنا و ذلك أنّ التقوى والفجور مخلوقتان في النفس لقول تعالى : ( ونفس وما سواها، ألهمها فجورها، وتقواها ) إنّ الله تعالى لن يبتلينا بالذنوب وما يبتلينا إلاّ بما يؤجرنا عليه

لقد وصفنا الله عندما نأتي إحدى الكبائر فقال في الذين يأكلون الربّا : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) البقرة من الآية 257 وقال الله تعالى : ( وتلك الأمثال نضربها للنّاس وما يعقلها إِلا العالمون ) سورة العنكبوت: 43 إنّ جريان الشيطان في الإنسان مجرى الدم ليس له أثرا ماديّ في جينات الإنسان فما تشير إليه مجتمعة تلك الآيات أنّ للشيطان وجود ماديّ حقيقيّ في الإنسان

جاء تفسير قوله تعالى : ( قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار ) من الآية 38 ( ادخلوا في أمم ) أي : من أشكالكم وعلى صفاتكم و ( قد خلت من قبلكم ) أي : من الأمم السالفة الكافرة ذلك لم يتحقق لنا بعد في أمم أو مع أمم بتقدم أو تأخر الزمان وقد قال الله تعالى : ( وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون )

إنّ تلك الأمم التي خلت من قبلنا وكانت في النار كانت من الجنّ والإنس في حين أنّ الله خلق قبلنا أمما من الجن لكن لم يخلق أمما غيرنا من الإنس إننا موجودين الآن لكننا لا نشك أننا كنّا مخلوقين من قبل إنّ علينا بوجه من التحديد معرفة من هي تلك الأمم المخلوقة من الجن قبل خلق أبينا آدم هل سيحاسبها الله معنا أم سيحاسبنا نحن أم تلكم الأمم مخلوقين معنا

لنعود الآن إلى ذريّة الشيطان فكما جاء في الأثر أنّ تلك الأمم من الجنّ وورد في التفاسير أنه لم يتبق منها إلاّ الشيطان وكان من الجن ولم يكن من الملائكة فهو أصل الجن كما أنّ أصل الإنس أبينا آدم

جاء في لغة العرب كنى كثيرة مذمومة للشيطان غريبة وبدائية بعض الشيء لأننا لم نكن نسألها من قبل لكنها قذ تنمّ عن حقيقة إنّ وجود ذريّة الشيطان وبنص صريح في القرآن لا يمكن نقضه أبدا إنّ هناك بالطبع أسئلة ملحّة لن يكف السؤال عنها : فكيف يستطيع الشيطان وذريته أن يغووا البشر جميعا في وقت واحد ؟

إنها ليست أمور غيبيّة نهينا عن الحديث عنها قد تكون حجة للذين لا يعلمون بل يرون أنّ كلّّ ما يستجد بدعة لكن الله يحثنّا كثيرا على التفكر والإجتهاد كما يأمرنا أن نتدبر القرآن فقال : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) القتال الآية 24 وقال : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) فصلت ، الآية 53 وقال تعالى (وفي أَنفسكم أفلا تبصرون) وقال ( أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ) الروم

إنّ الشيطان كان لنا عدوّ مبين فمن الواجب أن نستبين عدونا ونعلمه جيّدا فهل لا يتعدى كون الشيطان رمزا في قصص القرآن؟ وليس كما نتصوره في أذهاننا لذا يجب وكي ننتصر على الشيطان يجب أن نشعر بالاستقلال عنه تماما قال الله مخاطبا الشيطان ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) يعني الله بذلك المخلصين من عباده أولئك من كانوا يخلصون في عبادته

جاء في الآية ( وأما من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى ) ماتفيده هذه الآية الكريمة إن إغواء الشيطان هو ما يعادل إتباع هوى النفس إنّ العلماء السابقين إجتهدوا في تفسير ظاهر من القول دونما أشياء أخر ودونما نقض صريح للفظ القرآن فهو باطل فقالوا إذا كان للشيطان ذرية فلا بدّ أن تكون له زوجة لا شيء مثل ذلك ثابت من نصوص الوحي غير أنّهم قالوا أنّ الشيطان يفرخ ويبيض ليخرج ذريته إستنادا لحديث الرسول الأكرم صل الله عليه وسلم : ( لاتكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها ، فيها باض الشيطان وفرخ ) رواه البرقاني في صحيحه كما قاله النووي في رياض الصالحين.

كما أنهم لم يعلموا طريقة وجود نسله إذا كان من تزويج أو غيره فقال الشعبي: سألني الرجل: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك عرس لم أشهده! ثم ذكرت قوله تعالى: ( أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني ) فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت: نعم.
وعن قتادة. وقال مجاهد : ( إن كيفية وجود النسب منه أنه أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات: قال: فهذا أصل ذريته. )

وقال بعض العلماء : ( إن الله تعالى خلق له في فخده اليمنى ذكرا، وفي اليسرى فرجا ، فهو ينكح هذا بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا وشيطانة ) جاء في لسان العرب أن فرّخ وأباض أي أنه أخرج شيئا

إننا ربمّا من قد نشهد عرس الشيطان بمثليته الواقعة فينا الآن – وقد يمكننا معرفة تفاصيل جريان مثل ذلك – جاء على لسان الشيطان في سورة النساء الآية من 121 : ( ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله)
وجاء في قوله تعالى : ( قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتنِ إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلاّ قليلا ) الأسراء الآية 62  وقوله تعالى ( قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين ) الحجر الآية 39 وفي قوله : ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ) سورة الأعراف

إنّ ممّا ذكره المفسرين حيال أوصاف الشيطان وما قلده أولاده من أسماء تقريبيّة ومفردات وظائفيّة عديدة ك زلنبور صاحب الأسواق. (وتبر) صاحب المصائب يأمر بضرب الوجوه وشق الجيوب. والأعور صاحب أبواب الزنى. ومسوط صاحب الأخبار يلقيها في أفواه الناس فلا يجدون لها أصلا . وداسم هو الشيطان الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله . وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه. والولهان صاحب الطهارة يوسوس فيها، والأقيس صاحب الصلاة يوسوس فيها، ومرة صاحب المزامير وبه كان يكنى إبليس

روى مسلم في صحيحه: أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك شيطان يقال له خنزب . فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه ، واتفل عن يسارك ثلاثا ) قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني . لكن تأمل في قول النبيّ ( فإذا أحسسته) إنّ هذه الصفات صفات إنسانيّة جينيّة

في تفسير الجلالين لنار السموم (هي نار لا دخان لها تنفذ من المسام .) وقد قال ابن مسعود : (نار السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ) وقال ابن عباس : ( السموم الريح الحارة التي تقتل ). قال أبو عبيدة : ( السموم بالنهار وقد تكون بالليل، والحرور بالليل وقد تكون بالنهار ). القشيري : وسميت الريح الحارة سموما لدخولها في مسام البدن.
قال الله : [ وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ] ذلك ما يشير أنّ الله في الأصل خلق الأنس لعبادته كما خلق الجنّ لعبادته أيضا رغم أنّ الله يعلم أنّ كثير منهم لن يعبدوه وسيستكنفون عند عبادته علوّا وإستكبارا وتعلقّا بمتع الدنيا إيثارا على الجنّة التي أعدت للمتقين

فضرب ذلك المثل للجن والإنس معا إنّ في حقيقة الأمر إنّ الله خلق الجان والإنسان في خلق واحد ظاهره الإنسان وباطنه هو الجان وفي لفظ مجاز مبسط آخر لم يستند عليه هذا البحث أننا نكون أولئك الجنّ والإنس في خلق واحد معا وليس يوجد للجن في غير أنفسنا خلقا آخر

إنّ خلق الجان في الإنسان يتمثل بنار السموم تشبيه أبعد لبركان من الغليان والغضب الذي يغضبه الإنسان وذلك هو التضاد في خلق الإنسان من صلصال كالفخار أي من الطين الذي عادة ما يحتفظ بالبرودة مدة أطول وخلق الجان في الإنسان من نار السموم ذلك ما يشترك فيه خلق الإنسان والشيطان جزئيّا معا

إنّ منشأ الصدام بين الفطرة التي تمدّ حياة صحيحة للجسد وبين النزعة الغرائزيّة التي تؤدي إلى فقد أو اكتساب سلوك حميد فالأخلاق الحسنة أو السيئة هي من تمنح خلايا الجسد ؛ من رداءة أو سلامة المضمون كصفات منجية أو صفات مهلكة يتصف بها الإنسان تلك الخلايا تجري فيها مائية الأخلاق بالزيادة والنقص أكانت محمودة أو مذمومة تنعكس على السلوك بالإيجاب والسلب إنّه عندما تجاوز الإنسان تلك المعايير الأخلاقيّة والحدود التي رسمها الله للخلق يصل إلى حريّه فوضويّة يتحول عندها إلى خلق جينيّ آخر مجبولا على إتيان المعاصي والذنوب وحبّ شهوات وملذات الحياة إنها مفاسد عظام يتوارثها الأجيال وينحدر بها جميع الخلق

قال تعالى مبينّا تلك الحدود : (يا أيها الذِين آمنوا إنما الخمر والمسِر والأنصاب والأزلَام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) المائدة / 90 وقال : ( ولا تقربوا الزنا إِنه كان فاحشة وساء سبيلا ) الإسراء / 3 وقال ( والذين لا يدعون مع اللَّه إِلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) الفرقان / 68 وقال ( تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم 13 ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) النساء 14 وقال : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتِكم وندخلكم مدخلا كرِيما ) النساء/31 .

إنّ نشأة الأمراض المستعصية هي نتاج لسلوك مجتمعيّ بشريّ واحد تنحصر في عوامل الوراثة وفي عوامل الإكتساب تعود حقيقة الأمراض المستعصية تبعا لذلك السلوك فقبل أيّ شيئ آخر تعدّ كثير من الأمراض القاتلة أمراض سلوكيّة – والأمراض النفسية في حقيقة الأمر هي أمراض عضويّة أيضا وليست أمراض روحيّة أبدا فهي تظهر من خلال تعاطي السلوك العام تظهر بشكل لافت عند توافر مناخ واحد لتلك البيئة الحاضنة التي تصطدم بشدة مع عوامل الوراثة

هناك قلّة من الأشخاص يشفون من تللك الأمراض المستعصية بإعجوبة تلك الحالات لا تحمل على أيّ تفسير فهذا ما انتهى به المطاف لدى مكتشفي الجينات لعوامل مفقودة وأسباب معجزة وقد تتطلب إعادة تكييف الخلق وشفاء أمّة بأكملها هناك سببا ضليعا آخر لنشأت كثير من تلك الأمراض القاتلة عندما عبث الإنسان بأنانيته بمقدرات الكون فتسبب في ثقب في طبقة الأوزون التي تنفذ من خلالها الأشعة تحت الحمراء كأحد الأسباب المباشرة لمرض السرطان إنّ الأمراض كذلك لها علاقة وطيدة بالبرودة والحرارة التي تنفذ إلى مسّام البدن الإنسان أيضا ساهم إلى حدّ كبير في إحداث الإحتباس الحراري كجناية كبرى على الإنسان والبيئة

لقد قال الله تعالى : ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون* وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون *فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون ) الأسراء 94 .

إنّ الله خلق الناس من نفس واحدة إذ قال تعالى : ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) النساء 1 إنّ الله توابّ حليم رؤوف بالعباد وليس بظلامّ للعبيد حرّم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرمّا إذ قال صلى الله عليه وسلم : يقول الله : ( يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا )

وقد قال الله تعالى : ( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ) 55

إنّ شجرة الجينات التي اكتشفها مؤخرا العلم الحديث هي تلك البيوت التي تقبل الاعمار كما تقبل الهدم لن تكن بمنأى عن منظومة الغرائز القريبة في الشكل والمضمون لتلكما الشجرة التي نهى الله أبوينا آدم وحواء أن يأكلا منها فدلاهما الشيطان بغرور .. فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما فأخذا يخصفان عليهما من ورق الجنّة.

التعليقات مغلقة.

الحقوق محفوظة لموقع مدونتي تصميم وبرمجة شركة حياة هوست