علوم الغرب

أستاذ علم الاجتماع يطل على الفصل مرّة في الأسبوع ربما كان مرّتين فلقديم العهد أنسيت ذلك اليوم الآخر كان حديث الأستاذ ينفذ إلى سمعي حتى إذا ما انصرف الأستاذ انصرف معه كل ما يقول لكني لم أنسَ تلك الحصة الجامعة التي أطلقت فيها لأول مرة لساني للعنان

منذ طفولتي صحوت على ما تنبت أغصانه خارج قضبان المسار، وحدست يومًا يقع فيه الصدام ؛ لمّا تجابه سفنه عكس الرّيح. لم أعثر على وعاء يجمع في داخلي كلّ الصّمت؛ وكنت أسجّل كلّ ما ألقاه ضدّ كائن مجهول، ولم أستوعب؛ حتى الآن كيف لإنسان هذا العصر أن يمارس على نفسه صنوفا من البهتان والكذب !

كنت أشعر بدنو ذلك الكائن؛ كنت ألمحه من خلف الأسوار وهو ينخر من تحت عباب هذا العالم؛ ويرقب تلك القفزات الاستباقية   كي يحدِثَ يوما تحولا حقيقيا في حياة الناس بينما كان البعض منغمسًا في حياة الترف ويفكّر بأنجع الطّرق الّتي يجمع بها الأموال، لم أجد آنذاك من يخامره الشك فيتصور ذلك الشّؤم القادم.

لشدّ ما لفتني حديث الأستاذ وهو يبسط درسًا في علم الاجتماع، كان حديثه يدور في فلك تعاطينا مع مخترعات الغرب وهو يحمل إقناعًا إلى حد كبير، لما تقتضيه الضّرورة وكان يصف منجزات الغرب أنها تودّع حياتنا البدائيّة، وتسهّل كثيرًا حياة الناس، ويشير إلى أمثلة كثيرة لا غنى عنها في حياتنا المعاصرة؛ بينما كنت أحدق في جهاز التّكييف.

لقد كنت أُضمر من معلمي الأوّل أبي الّذي كان يغبطه الجميع لأنّه كان مختلفا غير أن قسوته التي لم تكن تخلو من العاطفة كانت أول علامة استفهام محيّرة، لي في حياتي كنت أتساءل هل كان أبي كما يشاع ليبراليّا؟ أم أنه أردي هزيلًا محطّمًا عصفت به المقادير؟ لكنّ بأيّ حال لم يكن والدي في محلّ اعتراض لما يقوله الأستاذ، فطالما كان أبي ما يعتني بجهاز التّكييف الوحيد وسط فناءالمنزل.

أبان جرى ذاك الحوار ذات صباح؛ كانت شمسه مزهوّة ساطعة، لم تكن غاضبة متوعّدة كأيّامنا هذه، وكان المساء عليلًا من بين أمسياتي القليلة النّدرة.فُتحت شبابيك قاعة الدرس؛ لتتدافع نسمات هواء متجدّدة، مشبعة بشذا الأزهار، تبعث على الانشراح.

لم يكن في ذلك الحين ذلك الهواء مشبع برذاذ أسود لمخلّفات الصّناعة مزكما بروائح الاسفلت، وعوادم المركّبات عدا رائحة عطب مألوفة ومشتهاة تصدر من المزارع التي تحيط بالبلدة آنما ينهمك الفلّاحون في أعمالهم في وقت من أوقات السنة

عاد الآن يطوف بي الحنين إلى حديقة مدرستنا، التي كانت تغصّ بالشّجيرات، والأعواد الرّطبة، وتزخر بنخلات واعدة، تزدان بسعفها الباسق، شديد الخضرة، معلقا على صدرها البلح الأصفر، وهناك في الظّلّ كانت تجري جداول مياه رقراقة، تطلق أبخرتها الدّافئة في شتاء ذلك الصّباح، تصطف على جانبيها الزّهور اليانعة ذات الألوان البديعة، وتدور من حولها بخفة الفراشات، كسا ذلك المكان ضباب خجول، خلفته الفصول الأربعة.

كان أقراني من الأطفال يلحقن الفراشات في فناء المدرسة وتعلو ضحكاتهم،تملأ ضجيجا المكان أنا عدت طفلًا صغيرا، لكني كنت أعشق البراءة. لم تكن بيئة واحتنا بقدر مايلفها من صحاري قاحلة تسمح بتجلّي أكثرا الوصف، بينما طمست الآن حقولنا القديمة، ودثرت عيوننا الجارية، وأصبحت أسماء فقط تطلق على أحياءنا السكنية الكبيرة.

شيّدت مدرستنا تلك من الطّين؛ كأجسادنا الّتي خلقت من الطّين، لأنّ الطّين يحتفظ أكثرا بالبرودة، ويرتشح أكثر بالماء.يلطف لفح شمسنا الدافئة وبنيت مدرستنا تلك بحلّة فنيّة فريدة، كانت أوّل مدرسة في البلدة من الطّراز العثمانيّ الفريد، تكن لها معاني التّبجيل والقداسة، كما تحتمل كثيرا شقاوة الأطفال وعلاقة أولئك الفتية الصّغار بالمربّين كانت علاقة حميمة كعلاقة الأبناء بآبائهم الحقيقيّين.

لا يعلم الناس ما يخبّئ لهم في طيّات القدر، وما كان ينتظرهم في مستقبلهم الموعود؛ أطفال، يموتون جوعًا بعد ساعات قليلة مختزلة من أعمارهم، ورجالا يُذبحون بالسّكاكين، ويُشنقون، أو تُقطّع ألسنتهم أو يُدفنون أحياء أو يعذبون حتى يخلّصهم الموت.

قبالة المحلّات، وفي طرق البلدة القديمة وأبنيتها المهدّمة بفعل الصّواريخ، يحتدم القتال، وتتعالى مطنبة أصوات التّفجير، وهلع الأطفال، والأجساد تجثم تحت الأنقاض، ليس لأعضائها بقيّة. أقفل منافذها التّراب معفّرة بالدّماء مختلطة بالأدمغة منكبّة على الطّريق على نحو غير معقول.

منذ أول عهد الصّناعة لم يكن يتيقّن العالم أن يحصل ذات يوم على مزايا تلك الطّائرات المقاتلة. ولم يتعرّف على فنّ أنواع تلك الأسلحة المتنوعة الوحشيّة الفتّاكة النووية والكيماوية والجرثومية المعدّة بكفاءة عالية كي يفتك بها ملايين البشر، صنعتها خوارق العلم الحديث لحساب تجّار الحروب، تلك الأسلحة صُنعت كي، تفني كلّ شيء في البيئة

من حسن الحظ في ذلك الصّباح لم يكن يعمل جهاز التّكييف الّذي يُحدثُ طنينا متواصلا؛ لئلا يفسد ذلك السّكون ويبعثر ذلك الصّفاء عوضا عما يغدق من كرم الطّبيعة. ولم يكن يجلو الصمت إلّا قليل من قرقعة قراطيس التلاميذ، وقليل من وشوشات عابرة.

كان ذلك الفائت حلوًا، ولم تكن ذنوبه عظيمة كما هي منتشرة الآن، والمستقبل كان يمشّط في سلالم الغيب رقعة حلما جميل ولم ينكفئ بنا الزّمن ليظهر كمّا هائلا موروثا من الأحقاد. غير أن نسأل كيف تبدل هكذا المناخ؟ وكيف مضت بساتيننا الوارفة الظّلال وهواءها العليل، وعيونها الدافئة؟

كان النّاس يعتنقون مذاهب ومعتقدات مختلفة كان لكل منهم هتاف مختلف. فمنذ ذلك الحين كان يلوّح بمدارس العصر الاشتراكيّة والشّيوعيّة وأكثر ما كانت الماسونيّة متخفية خلف معطف التّيّارات. لمّا كانت الليبرالية حبيسة أدراج الدّيمقراطيّة أكذب خدعة في التّاريخ ندا للرّأسماليّة والإقطاعية الدّكتاتوريّة المستبدّة آخذة هي الأخرى أشكالًا متخفية، تفضح أدوارها في كثير من الأوقات، والمرجعيّات الدّينيّة المتطرّفة والمغالية أشدّ ما تكون عداوة للوسطيّة المعتدلة صديقة الدّيانات الثّلاث.

غير أولئك الّذين يمضون في الخلف يقبعون خلف شعاراتٍ فارغةٍ، وخطبٍ رنّانة جوفاء، لا يحملون فكرًا آخر يهبهم حقوقهم المصادرة. غير الأصولية البغيضة .. فجأة بدّل الكثيرون من هندامهم، وأظهروا على لباسهم الشّارات الدّالة على التّضاد. لم يعرف أحدٌ من هؤلاء كيف يتجسّد إنسان الشّرّ يومًا، ويمثّل جسدا أمامهم!

لم تكن تشعر هذه التّيّارات أنّها بأنانيّة بغيضة تعمل ضدّ رقيّ الإنسان، وهي تواصل التّناحر بين البشر. لم تدعْ هذه التّيّارات الفكريّة يوما إلى محبّة الإنسان ولم تكن تدعو حقيقة للتّعايش وكبت العداء، بل كانت تدعو إلى الفوقية والإقصاء لقد كان ذلك الكائن الذي خلق تلك العداوات، وألقى بتلك الأدوار، يبحر ببطء نحو الشّاطئ، وقد أصبح البشر أعداءً حقيقيّين لأنفسهم

أومأ إليّ الأستاذ بالبنان بعد أن اختلس النّظر متفرّسًا في وجوه التلاميذ دون أن يناديني باسمي هذه المرّة، قائلا: مهمّتي أن أملي هذه المادّة وأصلها إلى فهم التّلاميذ، أرجو أن لا تطرح أسألتك الجوفاء، فتبدّد على زملائك الوقت.

لم أشعر بالخذلان.لم يقوله الأستاذ كنت أظنه إملاء عجيبًا كمن يريد حجب الحقيقة. فاسترعيت شيئًا من أناة الأستاذ، قلت له: ألا يُسمح لنا بطرح السّؤال لما في ذلك من طريقٍ مؤدٍّ للرّسوخ؟ فلا تزال هناك مسائلٌ محيّرةٌ، تحجم عقولنا الصغيرة مالم نتدراكها الآن قد تكون مستقبلا بالغة الخطورة، إذ نمضي نحو الانبهار بكلّ ما يصنع الغرب.؟

ولئلّا نحرم من صحيح المعرفة؛ إذنملك دورًا معطّلًا منذ الآن بينما العالم يمتلك كلّ أدواره الفاعلة. لقد كنّا نحمل ذات يوم حضارة سادت مدن العالم ربّما يا أستاذ أنكم تملأون أدمغتنا بما تعتقدون أنّه صحيحا، ربما يكون خاطئًا قد تبرز يوما أنيابه الحادّة. إنّنا بأبسط عبارة السّوق الكبير الّذي يؤمّن قوّة شرائيّة للسّلع، ولسنا نملك أيّ مؤهل آخر

إنّ من حقّ الشّعوب أن تحافظ على موروثها الخاصّ؛ بغير إعارتها لوسائلٍ مقلّدةٍ، واستيراد عقولًا بديلةً، بل يجب علينا حتمية النهوض وتنمية وسائلنا الذّاتيّة، واعتزازنا بأنماطنا الحياتية، ليتم الحصول على اكتفائنا الذّاتيّ واستخدامنا لمواردنا المحليّة، دونما حاجتنا للغير

علمت من الأستاذ إذ يتأثّر ببعض من حديثي، أنّه يريد أن يستمع إلى المزيد، فعمدت إلى موضوع الدّرس، فقلت: أليس أنّ ضرر الصّناعة أجلب من النّفع فقبل أن نعرف جهاز التكييف الذي صنعه الغرب كنا نملك حياتنا البدائية ننام في الهواء الطّلق، ونصحو في بواكير الصّباح، وقد إكتفت أجسادنا بهرمون الطّبيعة، ممّا يكسبنا الحيويّة والنّشاط ويمنح أجسادنا التّفاعل المطلوب مع الظواهر الجويّة وتفاوت الحرارة المتنوّعة، الّتي تبدأ منذ الإشراق حتّى تستكين في جنوح اللّيل.الضّحى و القيلولة والغروب والسّحر والإشراق لشتّى تلك الأحايين؛ تنعكس على أجسادنا بتفاعل غير منفصل عن البيئة.

الإنسان ليس كائنا غريبا آتيًا من الخارج. بل الإنسان مكون من مكونات البيئة عندما تكون مكانه الأمثل المتوارث جينيا للعيش. ونحن أيضا معنيّون بدورنا كغيرنا من الكائنات المخلوقة حفاظًا على الخصائص للبيئة، ومجهّزون لاستقبال و إرسال جملة من تلك الخصائص، ولكلّ بيئة مكوّن مختلف. وفارق كلّ بيئة يتناسب مع فوارق الإنسان، فإذا ما انتقل الإنسان إلى بيئةٍ أخرى فإنّه يشعر بالاغتراب.

مثل ذلك، عندما تُغتصب أرضًا للآخرين لن يتوافق الشّعور بالانتماء، بل يعدّ عملًا غير أخلاقيّ مرفوض بقوانين البيئة، وليس عجيبًا أن تثأر الطّبيعة لأبنائها المنتهكين. لتأتي النّهاية الّتي لم تكن واردة في الحسبان، قد لا نلقِي لها بالا الآن، إنه لا يجب أن نخلي بيئةً من سكّانها الأصليّين أو نحلّ ببيئة بيئة أخرى لأناسٍ آخرين يحملون عداءً حقيقيًّا لإنسان هذه الأرض، بل سيواجهون حربا مع الطّبيعة .

إننا لن نستغني عن الحقيقة الكامنة الّتي كنّا نستغني عنها بالأمس، ولا يمكن أن ندّعي سبقًا في المعرفة لأنّنا سعينا لتناول كلّ ما نريد دون معرفة، وكنّا طويلًا نفسد في الأرض، ونعمل على قهر الإنسان. قد نتصوّر أنّ كلّ شيءٍ أصبح قريب المنال، لكنّ الحقيقة أنّنا لن نفلت من العقاب.

وإذا ما كنّا نحمل قليلًا من مثل هذه التّصوّرات، قد نملك الوسيلة الآن لننجو من الكوارث. إن نتوقّف عن إلحاق الإنسان والبيئة مزيدًا من تلك الأضرار، لم يبقَ أمامنا إلاّ طريقا واحد؛ هو أن نعيد كلّ ما انتزعناه من البيئة، ونعيد إليها سكّانها الأصليّين، لنتقاسم معهم العيش في هدوء وأمن وسلام دونما تعد وإنتهاك لحقوق الآخرين

إنّ في أنظمة الكون، ونواميس الطبيعة ما يتعارض مع قوانين متهالكة يصنعها البشر، ذلك العلوّ لا بدّ أن يهوي يوما لا محالة إلى السّقوط.. الإنسان قديمًا كان يسكن الكهوف والأرض في صحرائها وأدغالها، ويسير في غاباتها، يطعم من خيراتها، ويستريح على شواطئها، ويستفيء هواءها، ويستظل سماءها، ويدفئ بشمسها، ويستضيء بقمرها، ويستدلّ بنجومها، يسبت في ليلها، وينشر في نهارها.

إنّا خُلقنا من تراب هذه الأرض، وهي الأمّ الرؤوم الّتي كم يفرحها أن نسقيها حبّات العرق، وكم يؤلمها أن نسقيها ثخنا من الدّماء. الأرض ليست جمادا، كما يمكن أن نتصور بل خلقت من رحمها الحياة، إنّها تشعر بنا ونشعر بها عندما نتبادلها حسن الصنيع.
لكننا نغرس فيها سكاكين معدّاتنا، الحادة نبقر بطنها، نجهض فلذّة جنينها، نقطّع أحشاءها، نقلع أشجارها، نستنزف دماءها لنستخرج من أعماقها مائها النّاريّ، وهي صامدةٌ، تكاد تمّيز من الغيظ بعد إذ كانت عليها جنّة خالدة، كادت أن تدوم. عندما تشعر بالعقوق ستحق للسماء وستثور، وتشقّ للزّلازل، وتأذن للبراكين .

إنّه يا سدتي النّفط برائحته النافذة الخانقة الكريهه، ولونه الأسود الّذي نستبدل به كل خيرات الأرض، ويخنق شذاها العبير. قد يُصنع كما يقال من البترول خبزا ولحما، لكنه لن يوزّع يوما على الفقراء ويسد أفواه الجائعين، بل يغدق بالمال على لصوص هذا العالم إننا نشتري كلّ شيء بورقة المال التي في الحقيقة لا قيمة لها تذكر ونؤثر مطامعنا الشّريرة؛ إنّه النّفط نذير الحروب لا يزال يحجب مصير الإنسان، ولا يدع مكانا صالحا لعيش إنسان قنوع

إنّ حياة الناس لن تنفصل عن تلك المفاهيم الواحدة؛ الحقّ، العدل، المساواة، الإيثار، التّضحيّة. ولن تتّفق سعادة البشر مالم يمضوا مجتمعين لوجهة واحدة وغاية صحيحة، ولن تحطّ الفوارق من قدر الإنسان، سيعمر قلوبهم الإيمان، فما يسكن في خلجات البشر صحيحا، هو الشّعور الحقيقيّ بالسعادة.

إنّه ليس مجديا للناس أن يقطّعوا أرحامهم، ويتفاضلوا بأعراقهم، ويتهالكوا في أديانهم، وليس صحيحا أن يبطش أغنياؤهم بفقرائهم، وأن يتباغضوا، ويتناجشوا، ويتحاسدوا، ويتجسّسوا، ويقتل بعضهم بعضا لكم رفع دنيئا وضيعا، ولكم أضحى عزيزا ذليلا، ولكم كسرت أقلام، وأُسقطت أمجاد، وطُمستْ حضاراتٌ، وبقيت معالمٌ شاهدةٌ على علوّ الإنسان وجبروته في الأرض

إنّ أجمل ما يكون لدى البشر إغتنام لحظات السّعادة، غير أنّنا نعيش عالمًا بائسا منغّصًا بالهموم، وداميًا بالمآسي والأحزان، ولنسير في طريق شائك محفوف بالمخاطر، لن نملك السّعادة إن نخلو من أي أبجديّة للأخلاق. لن نعرف ماهيّة تلك السعادة مثل هذا القول لن يعني شخوصنا نحن، بل في كلّ مكان وفي كل زمان يعرّض البشر إلى الخسران أو الفوز.

إنّ ما يؤوّل من إحباط الجهود المحبة للسلام والالتقاء بين الشّرق و الغرب لهو مفلسةٌ حقيقيّةٌ لهذا العالم، وطريقٌ راميا لمواصلة الشّرّ، إنّ العالم لن يتحدّث يوما بصوت واحد إلاّ عندما يتحدث بصوت الحقّ.إن العالم اليوم أمام مواجهة كبرى خطيرة مع قوى الشر التي تستأثر بالأموال وتعقد صفقات السّلاح، ليقتتل كلّ من في الأرض

لم يكن يومًا ضمن نفقات البترول المساواة بين الأغنياء و الفقراء، بل لم يكن البترول يطعم الفقراء بل كان يقود مزيد من الصّراع، ويلحق كثير ٍمن الجور والظّلم. إنّ البترول لن يدوم في الأرض، لأن الأرض لن تدوم، إنّ ليس أساسا للسّلام دونما العدل الّذي. يجب أن يسود بلدان العالم. إنّ العالم مقبل على نوع آخر من الحياة، لا يزال أمامه متّسعٌ من الوقت دونما اللجوء إلى مزيد من الوعود الكاذبة.

إنّنا سنودّع مباهج هذه الحياة، لنقبل على حياة أخرى، وليس صحيحا أن نبدي الآن مشاعر الخوف الزّائدة، فعندما تجيء ساعة الموت ربما نكون أناسا صالحين. إنّها إذن المعركة القادمة المختلفة، هذه المرّة لن تغتصب فيها حقوقا للآخرين، ولن يحرّر فيها شعب، أو تسترد فيها أرض، بل هي حرب خلاص بين إنسان الخير وإنسان الشّرّ.

في ذلك الوقت الّذي دار فيه حواري مع الأستاذ، لم يكن شيئا جليٌا كما هو الآن، ولم نكن نعرف أيًا من هذه الكوارث، ولا شيئًا من هذه الحروب، ولم يكن أحدٌ يتحدّث عن نهاية العالم. ولم أستشهد بما تسبّبه أجهزة التّبريد من انبعاث غاز الفريون الّذي أحدث ثقبا في طبقة الأوزون جرى ذلك كله فيما بعد، ففي ذلك الوقت لم تطرح قضيّة الاحتباس الحراريّ، وتغيّر المناخ. ولم يكن يظهر خوارق الدّجّال الّذي مسح تماما معالم الأرض، ذلك الكائن الّذي كنت ألمحه منذ كنت طفلا صغيرا، يبحر ببطء نحو الشّاطئ،لم يشعر العالم آنذاك أنّه يسير اعمى وأبكم أصم نحو قدره المجهول.

 

التعليقات مغلقة.

الحقوق محفوظة لموقع مدونتي تصميم وبرمجة شركة حياة هوست