التوراة والإنجيل

سيرث الله الأرض للصالحين من عباده فقد قال : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون ) الأنبياء 105 وقال : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) النور 55

وقال ( قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين )  الأعراف 128 وقال : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون في الأرض علوا وفسادا والعاقبة للمتقين ) القصص 83

تناوب حلف على مر القرون لإسقاط فكر الأديان وتحريف تراث المؤمنين فقالت مارقة من اليهود عزيرا ابن الله وقالت النصارى إنّ الله هو المسيح ابن مريم فلمّا بعث النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم ألّه صهر النبي على ابن ابي طالب كرم الله وجهه

وقد قال الله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومآواه النار وما للظالمين من أنصار ) المائدة 72 وقال : ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل .. ) التوبة من الآية 30

وقوله تعالى : ﴿ أئنكم لتشهدون أنّ مع الله إلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون ) الأنعام 19 وقوله تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسأل عما يفعل وهم يسألون أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ) الأنبياء 22

بيد أنّ جميع هذi الإدعاءات باطلة لا يوجد لها أصل في التوراة ولا في الإنجيل فشرائع الله كلها قائمة على التوحيد لا تجيز لأهل الكتاب فعل محرما وجاء القرآن مفندا كثرة من تلك المزاعم والأقاويل

إنّ بأنوار الحقيقة الساطعة أنّ الدين دينا واحد يصبو إلى هدف واحد وهو نشر المحبّة والألفة بين العالمين وما نزل على محمد هو ما نزل على الأنبياء جميعا وهو الإسلام ..

لقد بعث الله نبيه محمد هدى ورحمة للعالمين لقوله تعالى : ( وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ) ولقوله تعالى : ( وما أرسلناك إلاّ كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ولقوله تعالى : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ) س الأعراف 185

وقال الله تعالى : ( قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) س آل عمران الآية 84 وقال الله تعالى : (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون )

وإذ قال الله تعالى : ( وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ) الحج 78 قال ( هو سماكم المسلمين من قبل ) أي أنكم يا أهل الكتاب مسلمون من قبل نزول القرآن وهو قول أكثر المفسرين

وقال الله تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به مؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنّا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ) القصص 54
وقال الله تعالى على لسان نبيه محمد ( إنما يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون ) قال على لسان نوح ( أمرت أن أكون من المسلمين )..وقال على لسان لوط ( فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) قال على لسان سحرة فرعون ( ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ) وقال على لسان فرعون ( حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أن لا إله إلا الذي آمنت فيه بني إسرائيل وأنا من المسلمين )

وقال تعالى على لسان ابراهيم ( ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما ) وقال على لسان الجن : ( ومنا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ) وقال على لسان الحواريون ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بإنا مسلمون )

إنّ المؤمنين في الأرض جميعا يدينون بالإسلام فلا توجد كنية لما أنزل الله على أنبياءه ورسله سوى كنية الإسلام وهو دين للنصارى والصائبة واليهود لمّا قال الله تعالى : ( إنّ الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ) آل عمران 19 ولمّا قال تعالى : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) ال عمران 85

فكيف سيقبل الله من أهل الكتاب دينهم إذا اتبعوا محمد بل إنّ أهل الكتاب لا يبتغون غير دينهم الذي اصطفاه الله لهم وأنزله على لسان رسلهم وأنبياءهم وقد قال الله تعالى : ( ولإن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ) البقرة الآية 145
وقد قال الله تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) المائدة 48

وقال تعالى ؛ ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم * وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ) البقرة 116 وقال تعالى : (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) البقرة 142

وقال تعالى : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بوعدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) البقرة 177

وقال تعالى : ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم جميعا إن الله على كل شيء قدير ) س البقرة 148 وقوله : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ( 31 ) الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم )

إنّ أهل الكتاب أهل للإسلام وليسوا أهلا للكفر وهؤلاء الذين اختلفوا بغيا بينهم بعد أن جاءهم العلم وصفهم الله بالكفر..لكن الله يوما سيؤلف بين قلوب المؤمنين فيؤمنوا بكتبه وبملائكته ورسله ولا يفرقوا بين أحد من رسله لولا أنّهم يكتمون الحق وهم يعلمون حتما يظهر الله دينه على الدين كله ولو كره المشركان فقد قال تعالى : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون )

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر وقال الله تعالى : ( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا )

أختلف في تحربف التوراة والإنجيل فقيل أنهما لم يحرفا أبدا وقيل جاء التحريف في التأويل كما أنّه الإختلاف في جميع كتب الله يقع في التأويل وقد قال الله تعالى : ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ) آل عمران من الآية 7 وقال الله تعالى : ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) البقرة الآية 79

فالنبي محمد لم يقل بتحريف كتب الله بل قال عليه الصلاة والسلام: ( لا تصدقوهم ولا تكذوبهم ) أي لا تصدقوهم إذا قال فريق منهم أن الله هو المسيح إبن مريم ولا تكذبوهم أي لا تكذبوا صدق إيمانهم بالله كما قال الله تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ) البقرة الآية 47 وقد قال الله تعالى : ( كما قال تعالى : ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلاّ الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ) البقرة 160

وقال تعالى : ( الذين أتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به أولئك هم الخاسرون ) البقرة 121
وقال الله تعالى : ( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) البقرة 75

وقال الله تعالى : ( الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم * ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم * ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إنّ الله غفور رحيم ) التوبة 99

لقد قال الله تعالى ( إنّا تحن أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) الحجر الآية 9 إنما الذكر هو جميع ما انزل الله من الهدى والحق وقد عهد الله بحفظ جميع ما أنزل على لسان رسله وأنبياءه في لوحه المحفوظ وما أهل الذكر من قبل محمدإلاّ أهل الكتاب لقوله تعالى : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) الأنبياء 10 وقوله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر … ) النحل من الآية 44 وقوله تعالى : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الأثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) س المائدة 63

قال الله تعالى : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) الحشر الآية 10 إن هذه الآية صريحة نزلت في أهل الكتاب فهم الذين سبقونا بالإيمان بخلاف قولنا أنها نزلت في النصارى والمهاجرين كما أنّ القول أنّ المغضوب عليهم والضاليين هم أهل الكتاب بل كل أحل ما حرم الله إستحق منه الغضب وإستحق الضلال وإستحق منه المغفرة والهداية وما ذلك إلاّ قولا مبتدعا في ذيول هذا العصر

لقد وصف الله أهل الكتاب بالإيمان فقال عزّ وجلّ في أهل الكتاب : ( إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة 62 وقال الله تعالى : (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) النحل 97 وقال الله تعالى : (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) س المائدة الآية 63

وقال الله تعالى : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) فصلت 30 فهذه الآية الكريمة نزلت للناس جميعا ممن آمنوا بما أنزل إليهم من ربهم وشهدوا أن لا اله إلاّ الله واستقاموا على طاعته وأدوا فرائضهم بما جاء في كتبهم على لسان رسلهم وأنبياءهم ..
قال الله تعالى داعيا أهل الكتاب للإيمان بما أنزل على محمد : ( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعغو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) المائدة 16

وقال الله تعالى ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم). سورة محمد الآية 2 إنّ أهل الكتاب ليومنون بما أنزل على محمد إلاّ من كفر من أهل الكتاب فإنهم لا يؤمنون بالله وبما أنزل على لسان أنبياءه ورسله جميعا

لقد أعطي النبي محمد للسامرين ممن شهدوا له بالنبوة والرسالة عهدا وضمانا وحفاظا على دينهم وأجاز لهم دينهم الذي يدين مجمله للإسلام إذ أنهم يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله ولا يفرقون بين أحد من رسله ولا يشركون بالله شيئا ولا يتخذون من دونه إلها آخر

وقد قال الله تعالى : (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) البقرة 4 – 5 وقال الله تعالى : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) البقرة 285

وقال الله تعالى : ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) البقرة 136

وفي قول الله تعالى : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) أولئكم طائفتان مرقتا على الكفر ودأبتا على التملق ودرجتا على النفاق وقد بغى بعضهم على بعض فضلوا وأضلوا جبلا كثيرا من المؤمنين وقد قالوا إنّ عزيرا ابن الله وإنّ الله هو المسيح عيسى ابن مريم ..

لقد قال الله تعالى : (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعدما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) لكن الله عزّ وجلّ وصف الذين قالوه عن علم أضلوا به المؤمنين من أهل الكتاب في قوله تعالى : ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم من غير علم ألا ساء ما يزرون ) النحل 25

بل يقع الكفر صريحا على المنتحلين والمبطلين الذين قالوا ما قالوا على علم منهم أنهم مبطلون فقد أخفوا كثيرا مما بيّن لهم في الكتاب ولا يقع الكفر على الذين آمنوا من أهل الكتاب بما لم يعلموه وجهلوا به مما لم يدعوا إليه حتى يتبين لهم إذ قال الله تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون )

وقد قال الله تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) النحل 44
وقال جلّ ثناؤه : ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة *رسول من الله يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة * وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءتهم البينة ) فهولاء ضلّو وأضلوا وفرقوا بين المؤمنين من أهل الكتاب لكن الذين صدقوا الله صدقهم لا ينعتون بالكفر ولا يجزم إنهم أهل النار دونما تكذيبهم بالله وملائكته وكتبه ورسله

إنّ من أهل الكتاب يؤمنوا أنّ الله ليس كمثله شيء وهو السميع العليم وليؤمنوا بما أنزل على محمد ومنهم والرهبان والأحبار وقد إمتدحهم الله أن قال تعالى : ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وما لنا لا نؤمن بالله ومات جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم )

لقد قال الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) المائدة 52
قصد بهذه الأية عدم جواز موالاة الكفار من النصارى واليهود الذين يتولى بعضهم بعض ولا يتولون الله ورسله وأنبيائه (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) قصد بذلك المنافقين الذين لا يخلصون لله دينهم فيعينوا هؤلاء الكفار خوفا من شوكتهم أن تصيبهم دائرة من السوء .. فلمّا يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده يصبحوا من بعد ذلك على ما أسروا في أنفسهم نادمين )

مصداقا لقول الله تعالى للمؤمنين جميعا : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا * إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا * إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا لله دينهم فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما * ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما ) النساء 147
لقد وقال الله تعالى : ( تعالوا بيننا إلى كلمة سواء أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ) ذلك خطاب يدعو المؤمنين وليس يدعو الكفار

وقال جلّ ثتاءه : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ) 46 العنكبوت إن الذين ظلموا منهم كفروا بالله وأنبياءه ورسله

فلا يجوز بحسب هذه الآيات نعت أهل الكتاب وإبتداءهم بالكفر أو دعوتهم لوجوب ترك دينهم واعتناقهم دين محمد ص بل دعوتهم للإيمان بما أنزل إلينا وأنزل إليهم وأن يقيموا شرائع الله بما جاء في كتبهم على لسان رسلهم وأنبياءهم لقوله تعالى : ( لو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون)

وقال الله تعالى : ( .ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ) البقرة 106 إن بأويل صحيح لهذه الآية بما لا يتعارض مع نصوص القرآن أنه كلام من عند الله عز وجل يستبدله بمثله أو خيرا منه ذلك في القرآن مما أنزله الله في كتبه السابقة بما جاء على لسان رسله وأنبياءه جميعا لكن الله لا يبدل عنده القول وقد قال تعالى ( وما يبدل عنده القول لو كانوا يعلمون )

إن جميع آيات القرآن صحيحة قائمة مالم تؤؤل تأويلا خاطئا لقد أنزل الله القرآن كما أنزل كتبه وبعث أنبيائه ورسله جميعا بالحقّ لولا أنهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض ونقلوا الكلم عن موضعه وكتموا ما أنزل الله عليهم من الهدى والحقّ بل أخفوه بعد أن جاءتهم البينات بغيا بينهم

لقد قال الله تعالى : ( وقد أرسلنا في كلّ أمة رسول أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) فلولا أعقب الله الأنبياء والرسل لما تجلت قدرته وبلغت حكمته ووسعت مأدبته العالمين جميعا ولما أضلّ من يشاء وهدى من يشاء من عباده ممتحنا جميع الخلق حتى يخلصوا إليه جميعا دينهم كلّ فيما أنزل إليه
إنما الإيمان يقتضي وجوب العمل وقد وجب على المؤمنين من أهل الكتاب أن يؤمنوا بما أنزل إليهم ويؤمنوا بما أنزل على محمد

فلن يجدوا فيه فرقا بل يكمل الله لهم دينهم ويتم عليهم نعمته ويرتضي لهم الإسلام دينا فيخلصوه ويقيموه كله لله .. إنّ لأهل الكتاب ليأجرون مرتين إن يعملوا بما أنزل إليهم ويؤمنوا بما أنزل على محمد

لقد قال الله تعالى : ( قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة و الإنجيل و ما أنزل إليكم من ربكم و ليزيدنّ كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربّك طغيانا و كفرا فلا تأس على القوم الكافرين ] المائدة68 وقال الله تعالى: ( و قفّينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدّقًا لما بين يديه من التّوراة و آتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة و هدى وموعظة للمتقين وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) المائدة 46-47

وقال الله تعالى : (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) الأعراف 159- وقد قال الله تعالى : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ، ويؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ) آل عمران 113 – 114 وقال الله تعالى : ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون) المائدة 66

التعليقات مغلقة.

الحقوق محفوظة لموقع مدونتي تصميم وبرمجة شركة حياة هوست