الجزية

قال تعالى ( لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ) المائدة 73 قال تعالى ( منهم ) أي الذين قالوه افتراء وألبسوه على عامة أهل الكتاب.. بغير ما تطمئن إليه نفوسهم قال البغوي في تفسيره : وما من إله إلاّ إله واحد خُص الذين كفروا لعلمه أن بعضهم يؤمنون . انتهى فما قال أهل الكتاب بل قال ( من أهل الكتاب )

وقد قال تعالى : ( وإذا يتلى عليهم قالوا آمنّا به إنه الحقّ من ربنا إنّا كنّا قبله مسلمين ) القصص 53 وقال : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحقّ وبه يعدلون ) الأعراف 159 وقال : ( وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض بالدمع مما عرفوا من الحقّ يقولون ربنا آمنّا فاكتبنا مع الشاهدين ) المائدة 83

وقال تعالى : ( وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إنّ الله سريع الحساب ) آل عمران 199 وقال : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمّة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون ) آل عمران 113

وقال ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ) فقال الذين كفروا من أهل الكتاب وقال تعالى والمشركين ولم يقل من المشركين وهم سواء مع الذين كفروا من أهل الكتاب وقال تعالى : ( منفكين ) : أي الكفار جميعا منفصلين غير مجتمعين ( حتى تأتيهم البينة ) أي حتى تأتيهم الحجة الواضحة

قال الله تعالى : ( فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أَعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ الله يحب المقسطين، وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين إنّا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) المائدة 42 – 44

وقال الله تعالى : ( قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين ) المائدة وقال الله تعالى : ( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) المائدة 47

وقال تعالى : ( ولو أنّ أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم، ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمّة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ) المائدة 65 – 66
والنبي ﷺ لم يبدأ بقتال اليهود بل ابتدئهم ﷺ بالتواضع لهم وبالصبر عليهم وبالعفو عنهم مقرّا لهم بدينهم كما جاء صحيحا في كتابهم غير معارضا ﷺ تجارتهم حافظا على ملكيتهم وقد كتب ﷺ ميثاقا بينه وبين عموم أهل المدينة من اليهود وغيرهم بما يعرف مشهورا بصحيفة المدينة وقد جاء منها :

( المؤمنون أمة واحدة دون الناس ) و ( لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم ) و ( لا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر ولا ينصر كافراً على مؤمن ) و ( أنّ ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس )

و ( أنّ المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه ) و ( أنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم ) و ( أنّ اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ) و ( إنّ على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ) و ( إنّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة والبرّ دون الإثم ) والنبيّ ﷺ لم يقاتل اليهود إلاّ من بعد غدرهم وخيانتهم ونقضهم للعهود .

ولم يقاتل النبي ﷺ غساسنة الشام من النصارى إلاّ أن ابتدأوه بقتل رسله إليهم مبلغي دعوته وقد قال الله : ( ما على الرسول إلاّ البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) المائدة 99 ولم يكره ﷺ النصارى على الإسلام حيث قال الله تعالى : ( لا إكراه في الدين ) البقرة من الآية 265 ولمّا كتب النبيّ ﷺ لنصارى نجران عهدا بينه وبينهم رواه البيهقي في دلائل النبوة وقد جاء فيه : ( ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم لا يغير أسقف عن سقيفاه ولا راهب عن رهبانيته ولا واقف عن وقفانيته )

وقد كتب رسول الله ﷺ إلى ملك اليمن حيث قال : ( وأنه من أسلم من يهودي ونصرانيّ فإنّه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم ومن كان علي يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يردّ عنها وعليه الجزية ) أي الجزية على من كفروا من أهل الكتاب ودليل كفرهم أن قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله وإنّ الله عيسى ابن مريم وثالث ثلاثة

لقوله تعالى : ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنّى يؤفكون ) التوبة 30 ولقوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني اِسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنّ من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ) التوبة 29

ولقوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة وما من إله إلاّ إله واحد وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسّ الذين كفروا منهم عذاب أليم ) المائدة 73 ولقد قال الله تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) التوبة 29 قال تعالى : ( عن يد وهم صاغرون ) ذلك لحب الحياة فلا يدافعون أنفسهم ولا يقاتلون عدوا متربصا مع المسلمين

لكن من أهل الكتاب من آمنوا برسالة محمد ﷺ وهم مؤمنو أهل الكتاب الذين أقروا بشريعته واعترفوا بنبوته أنه عبد الله ورسوله لما وجدوه صحيحا في كتابهم فأطاعوا الله طاعة الحقّ وآمنوا بالجهاد في سبيله فلا يستصغر شأنهم ولا يُقلل أجرهم ولا يستهان قدرهم وقد أتى النبيّ ﷺ اليهود السامرة حفاظا وضمانا على دينهم بما يأمرهم به دينهم

قال الطبريّ في تفسيره ( لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ) يقول : ولا يصدقون بجنة ولا نار . وقال السعدي في تفسيره : ( حتى يعطوا الجزية ‏)‏ أي ‏:‏ المال الذي يكون جزاء لترك المسلمين قتالهم وإقامتهم آمنين على أنفسهم وأموالهم بين أظهر المسلمين

وقال تعالى ( ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ) أي لا يحرمون ما حُرم عليهم في كتابهم موافقا ما جاء به الرسول وقال تعالى ( ولا يدينون بدين الحقّ ) أي لا يدينون بالله بدينهم الصحيح كما جاء صحيحا في كتابهم وما جاء صحيحا في كتب الله وقال تعالى ( من الذين أوتوا الكتاب ) وليس فيه عموم أهل الكتاب ( عن يد وهم صاغرون ) ذلك هو حال الكفار لما عرفوا الحقّ فأعرضوا عنه وكفروا بربهم
قال البغوي : ( وهم صاغرون ) أي أذلاء مقهورون انتهى فقال تعالى ( صاغرون ) : أي علهم يؤمنون فلا يركنون إلى الحياة الدنيا ولا يقاتلون مع المسلمين الذين يقاتلونهم وهم آمنين في بلاد المسلمين

التعليقات مغلقة.

الحقوق محفوظة لموقع مدونتي تصميم وبرمجة شركة حياة هوست