المراجعة الشجاعة

قال ﷺ ( .. فعليكم بما عرفتم من سنتي ) لكننا ندّعي معرفتنا كلّ شيء في زمن فكر أحاديّ أعزل ! لا نعزب فيه قيد أنملة عن الحق ! إن مما نجزم به الآن لم يعد يستجيب للعقل والمنطق! لقد قلنا بتحريف الكتب السماوية ولم يقل نبينا ﷺ بتحريف التوراة والإنجيل وقد ثبت عنه ﷺ أن قال : ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما يحدثوكم بباطل فتصدقوه )

وقلنا : أنّ الذكر فقط هو القرآن بل الذكر هو أم الكتاب نسخت منه الكتب وتعهد الله بحفظ ما أنزل على ما أنزل على رسله وأنبياءه فقد قال عزّ وجل : ( إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون ) الحجر 9 قال عزّ وجل : ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) الأنبياء 105 فجاء الذكر في هذه الآية سابقا الزبور قال البغوي الذكر : هو أم الكتاب ومنه نسخ الكتب

قال الله تعالى ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )،سورة النحل من الآية 43 فعن مجاهد ( فاسألوا أهل الذكر ) قال : أهل التوراة وقال : هم أهل الكتاب وقال البغوي ( فاسألوا أهل الذكر ) يعني مؤمني أهل الكتاب وقد قال الله تعالى : ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ) يونس 94

وعن ابن عباس قال فسألوا أهل الذكر: يعني أهل الكتب الماضية .قال الآلوسي أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى قاله ابن عباس والحسن والسدي وغيرهم وقال الطبري : وهم الذين قرأوا الكتب من قبلهم التوراة والإنجيل وغير ذلك من كتب الله التي أنزلها على عباده . وجاء في قول ابن عباس في قول الله تعالى في الآية 24 من سورة الأنبياء ( هذا ذكر من معي وذكر من قبلي ) : ذكر من معي : القرآن ، وذكر من قبلي : التوراة والإنجيل وذهبت طائفة من أئمة الحديث والفقه والكلام إلى أن التبديل وقع في التأويل لا في التنزيل وذهب بعضهم إلى أنه زيد فيها وغيرت ألفاظ يسيرة ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه.

كما قال الله تعالى : ( إنّ الذين أتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وإنّ فريقا منهم ليكتمون الحقّ وهم يعلمون ) البقرة 146 ولا يعود الضمير في هذه الآية بالتي تسبقها من قوله تعالى : ( لئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك .. ) البقرة من الآية 145 إلى القبلة أو للنبي صلى الله عليه وسلم يعرفونه كما يعرفون كتابهم بل الضمير يعود صريحا إلى الكتاب فهم يعرفون كتابهم كما يعرفون أبناءهم فلا يتشابه شيء منه عليهم موافقا قوله تعالى ( والذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به أولئك هم الخاسرون ) 121 البقرة

فأنزلت كتب الله جميعها ذكرا واحدا فلولا إستحفظ الله التوراة الإنجيل ما أُستحفظ القرآن مصدقا لما معهم وقد قال تعالى : ( وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور مصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين، وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ..

.. وأنزلنا إليك الكتاب بالحقّ مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عمّا جاءك من الحقّ لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمّة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) المائدة47 – 48

قال الله تعالى : ( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون ) البقرة 79 وليس في معنى هذه الآية تحريف كتب الله بل كما أوجزه العلماء : فأولئك قوم يكتبون بأيدهم كتابا أخرا مبتدعا يبيعونه للناس يقولون أنه من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا. أي يؤلّونه على الله كي يكسبوا من وراءه المال

فعن ابن عباس قال : الأميون قوم لم يصدقوا رسولا أرسله الله ولا كتابا أنزله الله فكتبوا كتابا بأيديهم ثم قالوا لقوم سِفلة جهال : هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا. وعن قتادة قال : كان ناس من بني إسرائيل كتبوا كتابا بأيديهم، ليتأكلوا الناس فقالوا : هذا من عند الله وما هو من عند الله.

وقال الله تعالى : ( يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تأتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) المائدة من الآية 41

يحرفون الكلم من بعد مواضعه أي بعد وجوده ظاهرا في كتبهم ليس مقدورا عليهم أن يطمسوه فيكون التحريف في التأويل لا في التنزيل . قال السعدي في تفسيره : وهو تحريف الكلم عن مواضعه أي : جلب معان للألفاظ ما أرادها الله ولا قصدها لإضلال الخلق

ولقد قلنا أنّ الضالين والمغضوب عليهم هم أهل الكتاب وليس فريقا منهم كأنما ليس كلّ يقع في الضلال وكلّ يستحقّ الغضب. فمن عمل سوءا يجزى به لقول الله تعالى : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد من دون الله وليا ولا نصيرا ) النساء 12

وما ترد آية شائنة في القرآن إلاّ قلنا نزلت في النصارى واليهود فهم جميعا وقود النار ولو أنّ منهم أمة مقتصدة قائلة بالحقّ هي مسلمة أهل الكتاب ودونما يقع الكفر على عامة أهل الكتاب بجهلهم إلاّ من كانوا يكتمون الحقّ وهم يعلمون

لقد قال الله تعالى في أهل الكتاب : ( وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ) آل عمران 199 وقال الله تعالى : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون ) آل عمران 113

وقلنا أننا الفرقة الناجية استنادا على حديث النبي ﷺ : ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ) قيل : من هي يا رسول الله قال : ( ما أنا عليه وأصحابي ) كما قال ﷺ : ( مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف غرق )

لكن النبي ﷺ وأصحابه وأهل بيته رضي الله جميعا عنهم كانوا في زمن النبوة بينما نحن في زمن الاختلاف وفتن آخر الزمان وفتنة الدجال وفي زمن غربة الإسلام فقد قال النبي ﷺ ( بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء ) في رواية أخرى قيل : يا رسول الله من الغرباء قال : ( الذين يصلحون إذا فسد الناس وفي اللفظ الآخر : (يصلحون ما أفسد الناس من سنتي ) وفي لفظ آخر : ( هم أناس صالحون قليل في أناس سوء كثير )

لقد جمع النبي ﷺ في هذا الحديث بما كان واقعا من افتراق اليهود وافتراق النصارى معطوفا بما سيأتي من افتراق المسلمين ثم قال كلها في النار إلاّ واحدة فأشار ﷺ أن من بين فرق النصارى وفرق اليهود وفرق المسلمين فرقة واحدة قائمة على الحقّ لقول الله تعالى : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) الأعراف 159 ولقوله تعالى ( منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون )

وقد ورد عن النبيّ مثل هذا الحديث لما قد علم ما يكون في آخر الزمان فقد قال ﷺ : ( تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة، سبعون منها في النار وواحدة في الجنة وتفرقت أمة عيسى على ثنتين وسبعين ملة واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار وتعلو أمتي على الفرقتين جميعا واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار )

وما فرقة من فرق المسلمين تكون ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم مالم تُؤدي الواجبات والفرائض والحقوق وقال النبيّ ﷺ ( بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل ولينزعنَّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن فقال قائل : يا رسول الله، وما الوهن قال : حب الدّنيا وكراهية الموت

لقد قال الله تعالى : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى والحقّ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) التوبة 33 وما أظهر الله حتى اليوم دينه على الدين كلّه .. لم نكن ندعو أنفسنا فيستيقن أهل الكتاب وما نرى أنّ هذا الدين الذي أنزل هدى ورحمة للعالمين أنزل لنا وحدنا دون العالمين !

وقد قال الله تعالى : ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إنّ ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) النحل 125 وقال الله تعالى : ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ) العنكبوت 46

وقال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ) الأحزاب 71 وقال الله تعالى : ( وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة ) البقرة من الآية 83 وقال الله تعالى : ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إنّ الشيطان ينزع بينهم إنّ الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ) الإسراء 53

التعليقات مغلقة.

الحقوق محفوظة لموقع مدونتي تصميم وبرمجة شركة حياة هوست