في الخروج على الحاكم

 

 

ليس من رأي حكيم في الإسلام يجيز الخروج على الحاكم في أسوء الأحوال وأعقد الظروف بل نهى عنه الإسلام لما يلحق من سفك الدماء وهتك الأعراض وإعمال للسلب والنهب وإشاعة للفوضى وتعطيل تام لقنوات مجرى الحياة.

 

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يأتي عليكم زمان إلاّ الذي بعده شرّ منه حتى تلقوا ربكم ) وأخرج الإمام مسلم في ( صحيحه ) عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قلت يا رسول الله :

 

 

إنّا كنّا بشرّ فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شرّ قال نعم قلت هل وراء ذلك الشرّ خير قال نعم قلت كيف قال : يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ..

 

 

قال كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك قال تسمع وتطيع للأمير وإن ضُرب ظهرك وأُخذ مالك فاسمع وأطع ) رواه مسلم. وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : ( أطع سلطانك وإن جلد ظهرك، وانتهب مالك.)

 

 

وقال صلى الله عليه وسلم:( إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها ) قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال أدّوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم )

 

 

وعن أمّ سلمة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستكون عليكم أئمة تعرفون منهم وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره بقلبه فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقيل يارسول الله أفلا نقتلهم قال لا ما صلوا ) رواه مسلم

 

 

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني )

 

 

لقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( كما تكونوا يولى عليكم )، وهو حديث ضعيف، لكن وافقه قول اللّه تعالى ( وكذلك نوليّ بعض الطالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) الأنعام ا: 129

 

 

ولقد قال الحاكم عبد الملك بن مروان : “ما أنصفتمونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر، وعمر، ولا تسيرون فينا، ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر، وعمر أنصفونا، وندعو الله أن يعين كلاً على كلٍ “.

 

 

وأورد ابن القيم في الجواب الكافي الحديث القدسي:( قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم )

 

 

إنّ ما يبلغ من المغايرة، في زمن الإختلاف علّ أن يحفظ قلّة لهذا الدين لنبذ الفرقة بالسمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، دون منازعتهم الأمر ففي طاعتهم طاعة لله ورسوله مالم يؤمروا بمعصية لقوله صلى الله عليه وسلم : ( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره مالم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)

 

 

وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما الطاعة في المعروف ) وقال عليه أفضل الصلاة والسلام : ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) حديث صحيح

 

وجاء عن عبادة بن الصامت أن قال : ( بايعنا الرسول على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله قال إلاّ أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ) رواه البخاري .

 

 

إنّ الله تعالى قال : ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) الحشر 7، وقال الله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويففر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم * قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإنّ الله لا يحبّ الكافرين ) آل عمران:31-32

 

 

أنّ منزلة ولي الأمر في القلوب الوجلة منزلة تراحمية عظيمة، فيما اختاره الناس، وأولوه أمرهم فإذا كان وليّ الأمر عادلا، فلقد فازوا به فوزا عظيما، وإن كان دون ذلك فقد أوجب الله طاعته، ولجم الخروج عليه؛ لدرأ مفاسد، وفتن عظيمة.

 

 

وما نهي عن الخروج على ولي الأمر في زمن فرقة المسلمين إلاّ توافر قدر من المشاقّ، يمتحن الله بها عباده، والأصل أنّ يرعى ولي الأمر شؤون الناس،ويقضي حوائجهم، ويسهر على أمنهم، ويعدل فيهم، ما أقام فيهم الصلاة، وليس أمر من أمور الدنيا والآخرة يجيز في هذا الزمان تحديدا الخروج على الحاكم.

 

 

لقد أفصل اللّه تعالى من، وتجب له الطاعة، فكلّ من عند الله له مشيئة وتمكين لخلافة تكون ما شاء الله لها أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 

 

( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله لها أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها  ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت )

 

 

وعن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الخلافة في أمتي ثلاثون سنة). وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الرؤيا والميزان أنه قال : (خلافة نبوة ثلاثون عاما ثم يؤتي الله الملك من يشاء )

 

 

إنّ ما ذكّر به الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم أختصّ به أهل هذا الزمان، ممّا صحت وتواترت به الأحاديث دونما التأويل الخادم والفهم الضيق المحدود، ودونما جدوى الإحتيال والقفز على شرائع الله، فما ينظر إلله إلى معايير هزيلة يصنعها البشر.

 

 

لقد قال الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم : ( من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتتة جاهليّة ) رواه مسلم

 

 

إنّ على المسلمين باختلاف مذاهبهم أن يلتحموا لحمة الجسد الواحد، مجتمعين على من أولوه أمرهم، عاملين بوصايا نبيهم صلى الله   عليه وسلم فإن أنكروا شيئا وكرهوه فقد برئوا وسلموا منه

 

 

إنّ التمرد والانشقاق عن جماعة المسلمين وولاة أمورهم تزايد وألقى بظلاله في هذا العصر، ولقد حذرّ منه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ولا يعرف ذلك إلاّ خروجا عن أمر الله ورسوله وهدما للحمة الجسد الواحد

 

 

لقد ورد عن عجرفة الأشجعي رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشقّ عصاكم ويفرق كلمتكم فاقتلوه) رواه مسلم في الصحيح

 

 

قال صلى الله عليه وسلم- : (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده وإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان فذلك يكون في خاصة المسلم في رعيته فقد قال صلى الله عليه وسلم ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) فإن استطاع يغيره بيده وإن لم يستطع فبلسانه أي يخبر به أحدا يعينه عليه وإن أعجزه فبقلبه فلا يأثم بالسكوت عنه