فضل الصلاة

 

قال الله تعالى في كتابه العزيز : ( وأقيموا الصّلاة و آتوا الزّكاة واركعوا مع الرّاكعين ) البقرة 43، وقال تعالى : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين ) البقرة 238 قال عليه الصّلاة والسّلام: ( رأس الأمر الإسلام وعموده الصّلاة وذروة سنامه الجهاد ) وقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو يلفظ آخر أنفاسه الشّريفة: موصيا ( الصّلاة، الصّلاة وما ملكت أيمانكم )

 

قال العلماء: إن كان تارك الصّلاة منكرًا لوجوبها؛ فهو كافر بإجماع المسلمين، خارج من ملّة الإسلام، إلّا أن يكون قريب عهد بالإسلام، وإن كان تركها تكاسلًا مع اعتقاده وجوبها وذهب جماعة من السّلف أنّه يكفر، وذهب مالك والشّافعيّ – رحمهما الله – وجماهير من السّلف إلى أنّه لا يكفر، بل يفسق، ويستتاب، فإن تاب وإلّا قتل حدًّا كالزّاني المحصن، ولكنّه يقتل بالسّيف.

 

وذهب حنيفة، وجماعة من أهل الكوفة، والمزنيّ صاحب الشّافعيّ- رحمهما الله – أنّه لا يُكفر، ولا يُقتل، بل يُعزّر ويُحبس حتّى يصلي، وقال الإمام أحمد بن حنبل: “تاركُ الصّلاة كافرٌ كفرًا مخرجًا من الملّة يقتل إذا لم يتب ويصلّي”، وقال أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ: ” فاسقٌ ولا يُكفّر “، ثمّ اختلفوا فقال مالك والشّافعيّ: ” يُقتل حدّا “، وقال أبو حنيفة يُعزّر ولا يُقتل.

 

لكن منذ عهد رسول الله صلّى الله عليه و سلّم حتى يومنا هذا لم يُقَم حدٌّ لتارك الصّلاة، ولم يُستتب أحدٌ عليها، مع أنّ تاركي الصلاة كثر، ولم يستتب عليها صلى الله عليه وسلم و لم يُقِم حدًّا على تارك للصّلاة.

 

إنّ فضل الصّلاة على العبد المسلم والمؤمن جليّ واضحٌ، وذو أثرٌ كبيرٌ. وقد دعا إليها كلّ الأنبياء، وإنّها لخير الأعمال؛ فهي غذاءٌ للرّوح ورياض للبدن، وصفاءٌ للعقل، وجلاءٌ للهمّ، وذهاب للحزن، عند اتّصال القلب بالله.

 

والصّلاةُ من الواجبات هي ثاني ركن من أركان الإسلام، عمود الدّين، وبتركها يسقط الدّين، وهي صلةٌ بين العبد وربّه، وحقٌّ لصحيح طاعته، وتمام نعمته، عليه وقد قال الله تعالى: ” اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصّلاة إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ” العنكبوت 45

 

 

لقد وردت نصوص قاطعة بوجوب الصّلاة، والتّرغيب فيها، وعدم التّهاون فيها أو تأخيرها عن وقتها، فلقد قال الله سبحانه وتعالى: “إنّ الصّلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا …”النساء 103،

 

وقال: ” واستعينوا بالصّبر والصّلاة وإنّها لكبيرةٌ إلّا على الخاشعين ” البقرة 45، وقال صلّى الله عليه وسلّم: “استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أنّ خير أعمالكم الصّلاة، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد: ” إنّما مثل الصّلاة كمثل نهر عذب غمر بباب أحدكم يقتحم فيه كلّ يوم خمس مرات فهل يبقى من درنه شيء؟ “.

 

وقد جاء اختلاف أهل التّأويل – رحمهم الله – في قوله تعالى: “فخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات فسوف يلقون غيًّا* إلّا من تاب وآمن وعمل صالحًا فأولئك يدخلون الجنّة ولا يُظلمون شيئًا” مريم 59-60

 

فقال بعضهم: [ لم تكن إضاعتها تأخيرهم إيّاها عن وقتها، إنّما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركًا كان كفرًا ] قاله القاسم بن مخيمرة، وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما: [لم يكن إضاعتها تركها، ولكن أضاعوا الوقت ]، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره: “ولو تركوها كانوا كفّارًا،

 

فالرّاجح أنّ حكم من ترك الصّلاة متعمّدًا نافيا وجوبها إن لم تكن به جهالة فذلك كفر،بيد أنّ من شهد أن لاإله إلاّ الله لايكفر لكن فوق ذلك سقف بين الكفر والإيمان يجمع بين جزم تارك الصّلاة نافيا وجوبها بفسقه وبكفره، وبين إنابته لخالقه وهدايته وتوبته ورجوعه إليه، دون إخراجه من الملّة، والختم على قلبه

 

حيث لا قنوط، ولا يأس من رحمة الله ،بل كفاية أن يعلم العبد أنّ ذلك هو حكم الله، وهو العهد الواصل الّذي بينه وبين ربّه فإن قطعه فرّ من قلبه الإيمان، وإن وصله عاد إلى قلبه الإيمان، ونجا من الكفر. وقد رأى ذلك وأقرّه في نفسه

 

ما هو موافقا من فهم كثيرًا من معاني النّصوص، فإن كان من ترك الصّلاة متهاونًا، ومتكاسلًا، فلعلّه إن هُديَ و نُصح؛ أناب ، وإن كان متعمّدًا جاحدًا؛ فلعلّه يرشد، ويرجع إلى الله، و يؤدّ إليه حقّّه، ويقنع بوجوب حسن عبادته، وحقّ جميل طاعته، دونما قفل الشّارع عليه أبواب  والتّوبة، فينعت بالكفر بل يجب الإخلاص، والمبالغة، والمداومة في مناصحته، ودعوته دعوةً بارّةً حسنةً، فما يعلم العبد ما تنطوي عليه نفسه، ومتى يبلغ نهايته، وما يعلم و يفصل فيه إلّا ربّه

 

وما يعلم غيره إن كان على الكفر، أو كان على الإيمان، فالله مقلّب القلوب، عالما بما تكنّه الصّدور، وما تنطوي عليه الأنفس، ولقد قال الرّسول صلّى الله عليه و سلّم: ” إنّي لم أؤمر أن أنقّّب عن قلوب النّاس، ولا أشقّ بطونهم

 

إنّ من شكّ أنّ الله يغفر الذّنوب جميعًا، وإن كانت ذنوب عبده كزبد البحر، وإنّ الله يغفر لمن يشاء بغير حساب، وإنّ الله ليضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء، وقد قال: ” نبئ عبادي أنّي أنا الغفور الرّحيم* و أنّ عذابي هو العذاب الأليم ” الحجر49-50 ،وقال عزّ و جلّ: “وهو الّذي يقبل التّوبة عن عباده ويعفو عن السّيّئات ويعلم ما تفعلون “الشّورى 25،

 

وقال: ” قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذّنوب جميعًا إنّه هو الغفور الرّحيم* وأنيبوا إلى ربّكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثمّ لا تُنصرون ” الزّمر53- 54 ، وقال: ” لا إكراه في الدّين قد تبيّن الرّشد من الغيّ فمن يكفر بالطّاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميعٌ عليمٌ ” البقرة 265،

 

وقال : ” فذكّر إنّما أنت مذكّر* لست عليهم بمسيطر* إلّا من تولّى وكفر* فيعذّبه الله العذاب الأكبر* إنّ إلينا إيابهم* ثمّ إنّ علينا حسابهم ” الغاشية21- 26

 

وقال : “ولو شاء الله ما أشركوا و ما جعلناك عليهم حفيظًا وما أنت عليهم بوكيل ” الأنعام 107 ،وقال : “وإن ما نرينّك بعض الّذي نعدهم أو نتوفينّك فإنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب ” الرعد 40 ،وقال : “….أفأنت تُكره النّاس حتّى يكونوا مؤمنين ” يونس 99 ،وقال “… فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر..” الكهف 29

 

وليس في قول الله تعالى ما يبيح الكفر، بل إنّ الله أعدّ الله للكافرين عذابًا نكرًا، منذرًا من الكفر، ومحذّرًا، ومنفّرًا منه، خشيةً على العبد من وقوعه فيه، فمن ترك الصّلاة مستشعرًا أنّ في قلبه شيئًا من الإيمان، وبقيَت في قلبه ذرّةٌ من الخير، يعود تائبًا لطاعة ربّه والإتصال بمولاه، فليس تارك الصّلاة عمدًا، أو تهاونًا وكسلًا يكون عليه من دون الله سبيل، وإن يكره ويضطرّ، ويستتاب فقد يخادع، ويصانع باللّسان لئلّا يقام عليه الحدّ

 

فعقلا بعد إعساره وإعجازه ألّا يلقي بنفسه إلى العذاب، وسوء المصير، بل يدفع كي ينجو منه، فيعود من بعد ذلك متماديًا في الكفر، ومنافقًا، ومرائيًا، مضمرًا العداء، والشّعور بالاستعباد والإذلال، فيتمسك بمزيدٍ من الإنكار فلا فائدة تُجنى من وراء ذلك كلّه، إلّا العزل، والإبعاد والطّرد عن دين الله عزّ و جلّ، وما يولّده عند المرء من الشّعور باليأس والقنوط، والعزوف، برؤيته غير العدل، وما الواجب إلّا نصحه، وبذل السبيلٍ في ترغيبه و هدايته.

 

إنّما الإسلام نعمةٌ و فضل، يقوم على التّرغيب لا على التّرهيب، وعلى التّبشير لا التّنفير. وإنّ دين الله لهو دين الرّحمة، ودين حسن المعاملة، ودين النّصيحة و الرّفق، واليسر و اللّين، وليس دين التّعجيز والتّعسير، قد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن الرّسول صلّى الله عليه و سلّم أنّه قال: “إنّ الدّين يُسرٌ ولن يُشاد الدّين أحدٌ إلّا غلبه، فسدّدوا و قاربوا و أبشروا، واستعينوا بالغدوة و الرّوحة، و شيءٍ من الدّلجة ” رواه البخاريّ

 

وقال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: “إنّ هذا الدّين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإنّ المنبتّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى ” أخرجه البيهقيّ وضعّفه، العجلونيّ وقد روى أحمد في “المسند” الجملة الأولى منه وهي قوله: “إنّ هذا الدّين متين فأوغلوا فيه برفق. “وحسّنه الألبانيّ .

 

ما أنزل الله دينه ليُعمل فيه بالقتل، بل نهى رسول الله صلّى الله عليه و سلّم عن قتل من شهد أنّ لا إله إلّا الله محمّد رسول الله، ولو كان من المشركين. بل قد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، ولم يدع شيئًا في دين الله و في حدوده إلّا ذكره، وبيّنه مفصّلًا بكلّ ما يشتمل عليه، ويرتبط به مقيّدًا و مطلقًا.

 

وحدود الله واضحةٌ صريحة، لا يكثر فيها الاجتهاد، ولا يكثر فيها الجدل، ولا يستجدّ فيها مسائل للإقناع، بل يكفيها الإظهار والتّبيين، كما حدّ القذف، وحدّ الزّنا، وحد شارب الخمر، وحد مرتكب السّرقة وحد القتل، وما كان يشقّ صلّى الله عليه و سلّم على النّاس، ولا ينقصهم دينهم

 

ما ذكر في تارك الصّلاة صلّى الله عليه وسلّم نصّ في تارك الصّلاة ان يُستتاب، أو يُقام عليه الحدّ أو أوضحّ صلّى الله عليه و سلم كيفيّة قتله؛ إن كان كما قيل يُضرب بخشب، أو ينخس بالسّيف نخسًا، حتّى إذا خرج وقت الصّلاة فلم يُصلّ يُجهز عليه.

 

ولا يُصرّ تارك الصّلاة – و هو إنسان يعلم بفطرته – أنّ فعله باطل، ولا يُصرّ امرؤ إلّا إن كان على الحقّ، وما ذلك، يكون إلّا مدعاةً لدى الخوارج ورغبةً محمومة للقتل، وإلّا أن يكون نار ثأر، وانتقام،

 

وما اختلف فيه العلماء فمنه ما كان إلاّ اجتهادًا وإخلاصًا منهم، وغيرةً وحميّةً، وإنشغالا بهذا الدّين العظيم. لكن منه ما لم يكن سليمًا من وراء القصد، من الخوارج المغالين، ومن المبطلين، والكائدين، تشويها لهذا الدّين بما لا يَتّفق مع دين الله القويم؛

 

وهو دين الكمال،والوسطية والاعتدال، وإنّ هذه حدودا ، لا يجوز عليها الاختلاف،مثل أنّ تارك الصلاة  يُعزّر و يُحبس فلا يُقتل، أو يُستتاب فلا يُقتل، أو حتّى لا يُستتاب بل يُقتل، فذلك كله إختلال يستحيل إتيانه  على الواقع

 

وقد تبدو بعضٌ من أقوال العلماء كما يراها النّاس من بعدهم مثقلةً، وشاكلةً عليهم، مضعفةً لمداركهم، بأنّ ترك الدّين هو تحديدٌ تركُ الصّلاة، أو قد يُؤتى بنصوص مشتملة على الصّلاة، فيُقاس عليها ودون تمعّنٍ فيها، إن كانت نصوصا ضعيفة أو بقصد متعمّد، من المغالين و المهولين فيرىون أنّ تارك الصلاة لا يُستتاب، بل إنّ هذا حدّ من الحدود يُقام، فلا تُسقطه التّوبة، وما قال صلّى الله عليه وسلّم حرفًا من ذلك،في حين لايؤخذ قول ولا يرد غير قوله صلى الله عليه وسلم

 

لقد قال الله تعالى: ” ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكنّ البرّ من آمن بالله و اليوم الآخر والملائكة والكتاب والنّبيّين وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل والسّائلين وفي الرّقاب وأقام الصّلاة وآتى الزّكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصّابرين في البأساء والضّرّاء وحين البأس أولئك الّذين صدقوا وأولئك هم المتّقون ” البقرة 177.

 

وقال العوفيّ عن ابن عبّاس في هذه الآية: ” ليس البرّ أن تصلّوا ولا تعملوا”، وقال الثّوريّ: “ولكنّ البرّ من آمن بالله ” قال : هذه أنواع البرّ كلّها. وقد سُئل الرّسول صلّى الله عليه و سلّم ما الإيمان؟ قال: “إذا عملت حسنةً أحبّها قلبك، وإذا عملت سيئةً أبغضها قلبك

 

وقال صلّى الله عليه وسلّم: ” لتُنقضنّ عُرى الإسلام عروةً عروة، فكلّما انتقضت عروة تشبّث النّاس بالّتي تليها ،فأولهنّ نقضًا الحكم، وآخرهنّ الصّلاة ” وقد رتبّ الرّسول صلّى الله عليه و سلّم ما يكون في البدء فقال: ” رأس الأمر الإسلام، وعموده الصّلاة، وذروة سنامه الجهاد ” رواه التّرمذيّ

 

فإذا ما كان الإسلام يعود غريبًا كما بدأ غريبًا، فما يسبق شيء غير الدّعوة إلى دين الله، والتّعريف بدينه، وتبصير النّاس وإرشادهم، فإنّنا في عصر غلب فيه الكفر والإلحاد، تُستباح فيه حرمات الله، وتُنتهك فيه حدوده، ويعيش فيه النّاس في إدبار وغفلة، غارقين في إتيان الخطايا والذّنوب والآثام

أضف رأيك من هنا