النعيم

 

كان الأستاذ يطلّ على قاعة الدرس يوم الاثنين مرّة في كلّ أسبوع، إن كان لمرّتين، فلقديم العهد أنسيت أيّان كان ذلك هو اليوم الآخر حديث الإستاذ ينفذ إلى سمعي فإذا ما انصرف الأستاذ انصرف معه كلّ ما يقول، لكني لم أنسَ تلك الحصّة الجامعة التي لأوّل مرّة أطلق فيها لساني للعنان

 

صحوت منذ طفولتي على ما تنمو أغصانه خارج قضبة المسار، وحدست يومًا لا بدّ أن يقع فيه الصدام ؛ لمّا تجابه سّفنه عكس الرّيح. منذ ذلك الوقت وإنا لم أعثر على وعاء يبدد في داخلي كلّ الصّمت؛ بيد أنني كنت أسجّل ما ألقاه ضدّ مجهول، ولم أستوعب؛ حتى الأن كيف يمارس إنسان هذا العصر على نفسه الشعواء والكذب!؟

 

كنت أشعر بكائنٍ مجهولٍ؛ يرقب خطى تلك الوثبات، العالية، والقفزات الاستباقية كنت ألمحه من خلف الأسوار وهو ينخر من تحت عباب هذا العالم؛ كي يحدِثَ تحوّلًا حقيقيًّا في حياة الناس بينما كان الكثير منغمسًا في حياة البذخ، والكل يفكّر بأنجع الطّرق الّتي -لا لشيء- يجمع من وراءها الأموال، ولم أجد من يخامره ولو قليلا من الشك أو يتصور معي حجم ذلك الشّؤم القادم.

 

لشدّ ما لفتني ما يقوله الأستاذ و هو يبسّط درسًا في علم الاجتماع، كان حديثه مملا لكنه قد يحمل إقناعًا لعقول البسطاء إلى حدٍّ كبير، و يدور في فلك تعاطينا مع علوم الغرب وجواز اقتناء كلّ منتجات الغرب الاستهلاكية لما تحتمه وتقتضيه الضّرورة ويصف الأستاذ منجزات الغرب أنها تودّع الحياة البدائيّة، وتسهّل كثيرًا حياة الإنسان، ويشير إلى أمثلة كثيرة ليس لنا عنها غنىً في حياتنا الحاضرة؛ أحدها كان جهاز التّكييف.

 

لقد كنت أضمر من معلمي الأوّل والدي -رحمه الله-، الّذي كان يغبطه الجميع لأنّه يحمل فكرا مختلفا عن كثير من النّاس، غير أن قسوته على نفسه والتي لم تخل من العاطفة كانت أول علامة استفهام كبيرة ومحيّرة، لي في حياتي كنت أتساءل هل كان والدي ليبراليّا؟ أم أنه أردي هزيلًا محطّمًا عصفت به المقادير؟ لكنّ بأيّ حال لم يكن والدي في محلّ اعتراض لما يقوله الأستاذ، فكثيرًا ما كان يعتني بجهاز التّكييف الوحيد في المنزل.

 

أبان أن جرى ذاك الحوار ذات صباح؛ شمسه مزهوّة ساطعة، لم تكن غاضبة ومتوعّدة كأيّامنا هذه، كان مساء ذلك اليوم عليلًا من بين أمسياتي قليلة النّدرة.فتحت شبابيك الفصل؛ لتندفع نسمات هواء بارد متجدّد، مشبعا شذى الأزهار، تنعش القلوب وتوقظ الذّاكرة، وتجلب سرعة البديهة باعثة تمامًا على الانشراح. لم يكن في ذلك الحين يشبع ذلك الهواء رذاذ أسود من مخلّفات الصّناعة، أو من روائح الأسفلت، وعوادم المركّبات التي تنشر روائح خانقة عدا رائحة عطب مألوفة مشتهاة تصدر من المزارع المحيطة،بالبلدة وقت ينهمك الفلّاحون في أعمالهم من أوقات السنة

 

عاد يطوف بي الحنين إلى حديقة مدرستنا الابتدائيّة، التي كانت تغصّ بالشّجيرات، والأعواد الرّطبة، وتزخر بالنّخلات الواعدة، تزدان بسعفها الباسق، شديد الخضرة، وعلى صدرها الغض تعلق بعض من البلح الأصفر، هناك في الظّلّ تجري جداول مياه رّقراقة، تطلق أبخرتها الدّافئة في شتاء ذلك الصّباح، وتصطفّ مزدانة الورود المخمليّة، والزّهور اليانعة ذات الألوان الزهريّة البديعة، وتدور من حولها بخفة عدد من الفراشات الملوّنة، وقد كسا ذلك المكان ضبابٌ خجولٌ، خلفته الفصول الأربعة.

 

 

أقراني من الأطفال كانوا يلعبون مع الفراشات في فناء المدرسة وتعلو ضحكاتهم،تملأ ضجيجا المكان أنا عدت طفلًا صغيرا، لكني كنت أعشق البراءة. لم تكن بيئة واحتنا بقدر مايلفها من صحاري قاحلة تسمح بتجلّي أكثرا الوصف، بيد أنّ إختفت الآن حقولنا القديمة، وعيوننا الجارية، وأصبحت أسمائها تطلق فقط على أحياءنا السكنية الكبيرة.

 

شيّدت مدرستنا تلك من الطّين؛ كأجسادنا الّتي خلقت من الطّين، أيضا لأنّ الطّين يحتفظ أكثرا بالبرودة، ويرتشح أكثر بالماء.يلطف لفح شمسنا الحارقة وبنيت مدرستنا تلك بحلّة فنيّة فريدة، وبحرفة علميّة صرفة. لم تحتج إلى غير الشّمس والظّلّ والماء والهواء. كانت أوّل مدرسة في البلدة على البقيّة النّادرة من الطّراز العثمانيّ القديم، تحمل كلّ معاني التّبجيل والقداسة، وتحتمل كثيرا شقاوة الأطفال  وعلاقة أولئك الفتية الصّغار بالمربّين كانت علاقة حميمة كالأبناء مع آبائهم الحقيقيّين.

 

لم يكن يعلم أولئك الأطفال ما يخبّئ لهم في طيّات القدر، وما ينتظرهم في مستقبلهم الموعود؛ أطفال مشرّدون، أو أطفالٌ يموتون جوعًا بعد ساعات أو بعد أيّام قليلة مختزلة من حياتهم، أو أطفالٌ يُذبحون بالسّكاكين، ورجالٌ يُشنقون، ونساءٌ يُغتصبن أمام أبنائهن، وآباء تُقطّع ألسنتهم ويُدفنون وهم أحياء،وآخرين يلكمون حتّى تخلّصهم سكرات الموت.

 

قبالة المحلّات، وفي طرق البلدة أمام أبنيتها المهدّمة بفعل الصّواريخ، يحتدم القتال، وتتعالى أصوات التّفجير، وخوف الأطفال، وطلقات النّار، والأجساد تجثم تحت الأنقاض، وليس يوجد لأعضائها بقيّة. أقفل منافذها التّراب متعفّرا بالدّماء والأحشاء و الأدمغة. منثورة على الأرض تبقى أجسادهم منكبّة على الطّريق أمام الأنظار على نحو غير مصدّق، وغير معقول.

 

منذ بدء الصّناعة لم يكن يتيقّن العالم أن يحصل على مزايا تلك الطّائرات المقاتلة الّتي في كلّ مرّة تعود إلى قواعدها بسلام. أو تنفجر بركابها في الفضاء ولم يتعرّف على فنّ أنواع تلك الأسلحة البيولوجية والوحشيّة الفتّاكة المعدّة بكفاءة عالية كي بثواني معدودة تفتك بالبشر، غير صور غنيّة عن التّعبير نراها الآن، صنعتها خوارق العلم الحديث لحساب تجّار الحروب وعصابات العالم، تلك الأسلحة صُنعت كي تقتل الإنسان، لكنها تقتل أيضا كلّ شيء في البيئة. لكن إنسان العلم الحديث لن يتوقّف عند أيّة حدود إلاّ بعد أن ينفي الحياة على كوكب الأرض.

 

لحسن الحظ أنّ في ذلك الصّباح لم يكن يعمل جهاز التّكييف الّذي عادة ما يُحدثُ طنينا و جلبة متواصلة؛ أشدّ ما تكون خطرا على حواسّ التلاميذ لم يكن هناك حاجة لمدير المدرسة أن يأذن ليعمل جهاز التّكييف؛ ويفسد ذلك السّكون مبعثرًا ذاك الصّفاء عوضًا عن ما يغدق من كرم الطّبيعة. ولم يكن يجلو الصّمت إلّا قليل من قرقعة بعض القراطيس، و صوت أدواتهم المدرسيّة، وقليل من وشوشاتهم العابرة الّتي لا تكسر قاعدة الاحترام.

 

لكم كان ذلك الحاضر الفائت حلوًا، ولم تكن ذنوبه عظيمة كما هي منتشرة الآن، والمستقبل يمشّط في سلالم الغيب رقعة حلم جميل لغد زاهر ولم ينكفئ الزّمن بعد ليظهر هذا الكمّ الهائل من الحقد البشريّ الموروث. ونتساءل اليوم كيف تبدلّ المناخ؟ وحدائقنا الغنّاء؟ مضت دون عودة، تلك الواحة الوارفة الظّلال وهواءها  العليل، والينابيع التي لا تعدّ على الأصابع؟ و أين تكمن حدود بلدتنا القديمة وسط فناء هذا العالم الفسيح؟

 

كان النّاس يعتنقون مذاهب ومعتقدات مختلفة لكنهم لم يصلوا إلى الكفر والإلحاد كما يحدث اليوم بل كانوا مصريّن على أن يكون لكل منهم هتاف مختلف. بعضهم منذ ذلك الحين كان يلوّح لمدارس العصر – الاشتراكيّة والشّيوعيّة وأكثر ما كانت الماسونيّة  متخفّية خلف معطف تلك التّيّارات. واللّيبراليّة حبيسة أدراج الدّيمقراطيّة أكذب خدعة مرّت في التّاريخ ندا للرّأسماليّة والإقطاعية الدّكتاتوريّة المستبدّة آخذة هي الأخرى أشكالًا متخفيّة، تفضح أدوارها في كثير من الأحيان، والمرجعيّات الدّينيّة المتطرّفة والمغالية أشدّ ماتكون عداوة للوسطيّة المعتدلة صديقة الدّيانات الثّلاث.

 

غير أولئك الّذين يمضون في الخلف يقبعون خلف شعاراتٍ فارغةٍ، وخطبٍ رنّانة جوفاء، لا يحملون فكرًا آخر يهبهم حقوقهم المصادرة. غير أصولية بغيضة .. فجأة بدّل الكثيرون هندامهم، وأظهروا على لباسهم الشّارات الدّالة على التّضاد. لم يعرف أحدٌ من هؤلاء كيف يتجسّد الشّرّ يومًا، ويمثّل أمامهم!

 

لم تكن تشعر كلّ هذه التّيّارات جميعًا أنّها بأنانيّة تعمل ضدّ شعور الإنسان، ومواصلة التّناحر بين فصائل البشر. لم تدعْ هذه التّيّارات الفكريّة المأسورة يوما مّا طريقا إلى محبّة الإنسان غير الوأد وليست تدعو للتّعايش والتّقارب كبتًا للعداء، من وراء نظرات الإشمئزاز والاحتقار وإقصاء وتجريم الآخر إلى  أيّ حدّ مكمن مسقطين كلّ الاعتبارات و القيم الإنسانيّة دونما وجود طريق للخلاص. غير الطّائفيّين قليل جدا من يمكنهم حب النّاس جميعًا.

 

ذلك الكائن المجهول الّذي كنت ألمحه، و هو يبحر ببطء نحو الشّاطئ، هو من خلق تلك العداوات، وألقى بتلك الأدوار على الجميع، ليتأكّد له أنّ البشر قبل أيّ شيء آخر أصبحوا أعداءً حقيقيّين لأنفسهم أومأ إليّ الأستاذ بالبنان بعد أن اختلس النّظر متفرّسًا في وجوه الطّلاب دون أن يناديني باسمي هذه المرّة، قائلا: مهمّتي أن أملي هذه المادّة وأصلها إلى فهم التّلاميذ كي ينجحوا في الامتحان، أرجو أن لا تطرح مثل هذه الأسئلة، فتبدّد على علينا الوقت.

 

كان حديث الأستاذ واضح التّرجمان مابين السّطور، لذا ما شعرت بأيّ نوعٍ من الخذلان، إنّما شعرت بأنّني مازلت معارضا. لم يقوله الأستاذ كان إملاءه عجيبًا كمن يريد حجب نور الحقيقة. استرعيت شيئًا من طول أناة صبر الأستاذ، قلت له: ألا يُسمح لنا بطرح السّؤال بغية فهم الدّرس لما في ذلك من طريقٍ مؤدٍّ للرّسوخ؟ فلا تزال هناك مسائلٌ محيّرةٌ، إن لم نتدراكها الآن قد تكون بالغة الخطورة، عندما نتلقّى علوما مغشوشة، ونمضي نحو الانبهار بكلّ ما يصنعه الغرب. ليس صحيحا أيضا أن ندعو إلى الانغلاق، فذلك ما يكون متساويا على النّقيض. على أن لا تحجّم عقولنا الصّغيرة.

 

إنّنا من سنحمل غدًا على أكتافنا عاتق المسئوليّة؟ ولئلّا نحرم من صحيح المعرفة، فقد يعدّ شيئا ما جنايةً كبرى على النّشء والأجيال؛ إذا كنّا نملك دورًا معطّلًا منذ الآن بينما العالم يمتلك كلّ أدواره الفاعلة. لقد كنّا نحمل ذات يوم حضارة مرموقة سادت في مدن العالم، لكننا نقبع الآن خلف أسوار التّاريخ.

 

ربّما أنكم تملأون أدمغتنا بما تعتقدون أنّه صحيحا، و ربما يكون خاطئًا قد تبرز يوما أنيابه الحادّة. إنّنا بأبسط عبارة السّوق الكبير الّذي يؤمّن قوّة شرائيّة للسّلع القابلة للبيع و الشّراء حتّىو لو لم تكن كذلك، ولسنا نحمل أيّ مؤهل سوى أنّنا بلد بتروليّ يملك المال، من عوائد النفط ذلك قد يمحو مستقبلًا ثوابتنا الصّحيحة.

 

إنّه يوجد حقّ مسروع للأمم و الشّعوب أن تحافظ على معالمها وموروثها الخاصّ؛ لتحدث نظرةً تكامليّة وتعاونيّة، تصبّ أخيرا في مصلحة دول العالم بغير إعارتنا لوسائلٍ مقلّدةٍ، واستيراد عقولًا بديلةً، أو استنساخ بيئة مدن بأكملها، عندئد ترفضها البيئة. ليس يجب أن نهب عقولنا ليفكّر بها الآخرين ، لا يعدّ هذا أمرًا صحيحًا، أبدا بل يجب تنمية وسائلنا الذّاتيّة، واعتزازنا بأنماطنا الحياتية حتى ولو كانت بدائيّة، ليتم الحصول على اكتفائنا الذّاتيّ واستخدامنا لمواردنا المحليّة، باعتمادنا على أنفسنا دونما حاجتنا للآخرين أو الاعتماد على منتجات الغرب.

 

كان يرى الأستاذ أنّ ما أقوله يبدو ضربا من الجنون، بينما كنت أصرخ قبل فوات الأوان كي لا تنطفئ أنوار هذا العالم. كنت أعني حتميّة ترقيّ الإنسان لكن دون مطاردة للسّراب. لم يأتِ اعتراضي، لما يقوله الأستاذ من فراغ بل استنادا إلى عدم شرعيّة انسياقنا الأعمى وراء الغرب، حتى استبدالنا التربة وطمس تراثنا، وإلغاء هويّتنا، وفقد خصوصيّتنا، وتقاليدنا، و عاداتنا الأصيلة، وتعاليم شريعتنا الإسلاميّة السّمحاء وإدارة معيشتنا بأساليبنا المتوارثة دون محاكاة الغرب.

 

كنت أرى أنّ العالم الحقيقيّ المتحضّر والمتمدّن الّذي يسعى إلى التّقدّم، هو الّذي ينأى عن الأحقاد، فلا يغتال حرية الآخرين وليس الّذي يتعلّم فنون الاحتيال، واغتصاب الحقوق علمت من الأستاذ إذ يتأثّر ببعض من حديثي، أنّه يريد أن يستمع إلى المزيد، فعمدت إلى موضوع الدّرس، فقلت: أليس أنّ ضرر الصّناعة أجلب من النّفع؟ إذ ينتفي نفع الشّيء إذا كان يحمل ضررا بالغا، فجهاز التّبريد الّذي صنعه الغرب يعّود على الكسل، ويبعث على الاسترخاء والخمول، حيث نطيل عنده المكوث لساعاتٍ طويلة، فيجلب مرض الرّوماتيزم، ومرض المفاصل، وأنواع أخرى من أمراض الزّكام.

 

بعكس أن ننام في الهواء الطّلق، و نصحو في بواكير الصّباح على خيوط أشعّة الشّمس، وقد إكتفت أجسادنا بهرمون الطّبيعة، ممّا يكسبنا دائمًا التّألّق والحيويّة والنّشاط، وليس بإسكات رنين ضابط للوقت لنعود للنّوم بسبب تيبّس أطرافنا من البرودة، وثقلت على الحركة، فجهاز تكييف الهواء قد يحرم على أجسادنا التّفاعل المطلوب مع الطبيعة والظواهر الجويّة وتفاوت حرارة الجوّ المتنوّعة، والّتي تبدأ منذ الإشراق حتّى سويعات المساء، وحين تستكين في جنوح اللّيل. مما يمنح أجسادنا صورا أكثر إشراقا ونشاطا وحسنا وجمالا

 

الضّحى و القيلولة والعصر والغروب والسّحر والإشراق لشتّى تلك الأحايين؛ لم تخلق هكذا عبثًا بل تؤكّد تأثيرها الإيجابيّ على خلق الإنسان بتفاعل صحيح  بدرجة نناسبيّة، مع الطبيعة  فأجسادنا جزءٌ غير منفصل عن البيئة. إنّ ما ينشأ من عدم تعريض أجسادنا للطّبيعة ما يبعث على خللٍ ما في التّفكير بسبب معنويّاتنا المتخليّة الّتي تزداد في الانحدار من الكسل، فتتحوّل إلى أمراضٍ عضويّةٍ، وربّما أنّ البيئة الأخلاقيّة أيضًا ترتبط بسلوك الإنسان، تُكسبُه مناعةً معنويّة صحيحة قد لا تُوجد في بيئة أخرى، مختلفة وليس يمكن أن نحلّ في جميع بلدان العالم بيئةً صناعيّة موحّدة، فنفقد الأخلاق.

 

الإنسان ليس كائنا آتيًا من الخارج، وغريبًا. بل إنّ الطّبيعة ترعى في طبائع الإنسان، وتمنحه الطّاقة بالدّرجة المطلوبة عندما تكون مكانه الأمثل المتوارث جينيا للعيش. ونحن أيضا معنيّون بدورنا كغيرنا من الكائنات المخلوقة حفاظًا على الخصائص الملوّنة للبيئة، ومجهّزون لاستقبال و إرسال جملة من تلك الخصائص، ولكلّ بيئة مكوّن مختلف. وفارق كلّ بيئة يتناسب مع فارق كلّ إنسان، فإذا ما انتقل الإنسان إلى بيئةٍ أخرى فإنّه ليشعر بالغربة. بل الإنسان نَفَس من أنفاس البيئة، وكثيرًا ما تعرف البيئة إنسانها، وإذا ما أوذي الإنسان فقد أوذيت البيئة

 

إنّ مثل ذلك تعد صريح، عندما يغتصب الإنسان أرضًا للآخرين لابدّ أن يخالطه شعورٌ بالذّنب دونما الشّعور بالانتماء، وحتما ذلك يعدّ عملًا غير أخلاقيّ مرفوض بقوانين الكون، وليس عجيبًا أن تثأر الطّبيعة لأبنائها المنتهكين. لتأتي النّهاية الّتي لم تكن واردة في الحسبان، قد لا نلقِي لها بالا، وربّما نلقي لها بالًا الآن، إنه لا يجب أن نخلي بيئةً من سكّانها الأصليّين أو نحلّ ببيئة بيئة أخرى

 

لأناسٍ آخرين يحملون عداءً حقيقيًّا للأرض والإنسان، سنواجه أخيرًا حربًا عبوسا وضروسا مع الطّبيعة، وهكذا يمكن أن تنطق البيئة، أو ينطق الحجر والشّجر . ولن نستغني عن الحقيقة الكامنة الّتي كنّا نستغني عنها بالأمس، ولا يمكن أن ندّعي سبقًا في المعرفة لأنّنا سعينا لتناول كلّ ما نريد دون معرفة، وكنّا طويلًا نفسد في الأرض، ونعمل على قهر الإنسان. قد نتصوّر أنّ كلّ شيءٍ أصبح قريب المنال، لكنّ الحقيقة أنّنا لن نفلت من العقاب.

 

وإذا ما كنّا نحمل قليلًا من مثل هذه التّصوّرات، قد نملك الوسيلة الآن لننجو من الكوارث. إن نتوقّف عن إلحاق الإنسان والبيئة مزيدًا من تلك الأضرار، لم يبقَ أمامنا إلاّ طريقا واحد؛ هو أن نعيد كلّ ما انتزعناه من البيئة، ونعيد إليها سكّانها الأصليّين، لنتقاسم معهم العيش في هدوء  وأمن وسلام دونما تعد وإنتهاك لحقوق الآخرين

 

إنّ في أنظمة الكون، ونواميس الطبيعة ما يتعارض مع قوانين متهالكة يصنعها البشر، ذلك العلوّ لا بدّ أن يهوي يوما لا محالة إلى السّقوط.. الإنسان قديمًا كان يسكن الكهوف والأرض في صحرائها وأدغالها، ويسير في غاباتها، يطعم من خيراتها، ويستريح على شواطئها، ويستفيء هواءها، ويستظل سماءها، ويدفئ بشمسها، ويستضيء بقمرها، ويستدلّ بنجومها، يسبت في ليلها، وينشر في نهارها. إنّا خُلقنا من تراب هذه الأرض، وهي الأمّ الرؤوم الّتي كم يفرحها أن نسقيها حبّات العرق، وكم يؤلمها أن نسقيها ثخنا من الدّماء. الأرض ليست جمادا، كما يمكن أن نتصور بل خلقت من رحمها الحياة، إنّها تشعر بنا ونشعر بها عندما نتبادلها حسن الصنيع.

 

لكننا نغرس فيها سكاكين معدّاتنا، الحادة نبقر بطنها، نجهض فلذّة جنينها، نقطّع أحشاءها، نقلع أشجارها، نستنزف دماءها لنستخرج من أعماقها مائها النّاريّ، وهي صامدةٌ، تكاد تمّيز من الغيظ بعد إذ كانت عليها جنّة خالدة، كادت أن تدوم. عندما تشعر بالعقوق ستحق للسماء وستثور، وتشقّ للزّلازل، وتأذن للبراكين .

 

إنّه النّفط برائحته النافذة الخانقة الكريهه، ولونه الأسود الّذي نستبدل به كل خيرات الأرض، ويخنق شذاها العبير. قد يُصنع كما يقال من البترول خبزا ولحما، لكنه لن يوزّع على الفقراء ويسد أفواه الجائعين، بل يغدق بالمال على لصوص هذا العالم إننا نشتري كلّ شيء بورقة المال التي في الحقيقة لا قيمة لها تذكر ونؤثر مطامعنا الشّريرة؛ إنّه النّفط نذير الحروب لا يزال يحجب مصير الإنسان، ولا يدع مكانا صالحا لعيش إنسان قنوع

 

إنّ حياة الناس لن تنفصل عن تلك المفاهيم الواحدة؛ الحقّ، العدل، المساواة، الإيثار، التّضحيّة. ولن تتّفق سعادة البشر مالم يمضوا مجتمعين لوجهة واحدة وغاية صحيحة، ولن تحطّ الفوارق من قدر الإنسان، سيعمر قلوبهم الإيمان، فما يسكن في خلجات البشر صحيحا، هو الشّعور الحقيقيّ بالسعادة.

 

إنّه ليس مجديا للناس أن يقطّعوا أرحامهم، ويتفاضلوا بأعراقهم، ويتهالكوا في أديانهم، وليس صحيحا أن يبطش أغنياؤهم بفقرائهم، وأن يتباغضوا، ويتناجشوا، ويتحاسدوا، ويتجسّسوا،  ويقتل بعضهم بعضا لكم رفع دنيئا وضيعا، ولكم أضحى عزيزا ذليلا، ولكم كسرت أقلام، وأُسقطت أمجاد، وطُمستْ حضاراتٌ، وبقيت معالمٌ شاهدةٌ على علوّ الإنسان وجبروته في الأرض

 

إنّ أجمل ما يكون لدى البشر إعتنام لحظات السّعادة، غير أنّنا نعيش عالمًا بائسا منغّصًا بالهموم، وداميًا بالمآسي والأحزان، ولنسير في طريق شائك محفوف بالمخاطر، لن نملك السّعادة إن نخلو من أي أبجديّة للأخلاق. لن نعرف ماهيّة تلك السعادة مثل هذا القول لن يعني شخوصنا نحن، بل في كلّ مكان وفي كل زمان يعرّض البشر إلى الخسران أو الفوز.

 

إنّ ما يؤوّل من إحباط الجهود المحبة للسلام والالتقاء بين الشّرق و الغرب لهو مفلسةٌ حقيقيّةٌ لهذا العالم، وطريقٌ راميا لمواصلة الشّرّ، إنّ العالم لن يتحدّث يوما بصوت واحد إلاّ عندما يتحدث بصوت الحقّ.إن العالم اليوم أمام مواجهة كبرى خطيرة مع قوى الشر التي تستأثر بالأموال وتعقد صفقات السّلاح، ليقتتل كلّ من في الأرض

 

لم يكن يومًا ضمن نفقات البترول المساواة بين الأغنياء و الفقراء، بل لم يكن البترول يطعم الفقراء بل كان يقود مزيد من الصّراع، ويلحق كثير ٍمن الجور والظّلم. إنّ البترول لن يدوم في الأرض، لأن الأرض لن تدوم، إنّ ليس أساسا للسّلام دونما العدل الّذي. يجب أن يسود بلدان العالم. إنّ العالم مقبل على نوع آخر من الحياة، لا يزال أمامه متّسعٌ من الوقت دونما اللجوء إلى مزيد من الوعود الكاذبة.

 

إنّنا سنودّع مباهج هذه الحياة، لنقبل على حياة أخرى، وليس صحيحا أن نبدي الآن مشاعر الخوف الزّائدة، فعندما تجيء ساعة الموت ربما نكون أناسا صالحين. إنّها إذن المعركة القادمة المختلفة، هذه المرّة لن تغتصب فيها حقوقا للآخرين، ولن يحرّر فيها شعب، أو تسترد فيها أرض، بل هي حرب خلاص بين إنسان الخير وإنسان الشّرّ.

 

في ذلك الوقت الّذي دار فيه حواري مع الأستاذ، لم يكن شيئا جليٌا كما هو الآن، ولم نكن نعرف أيًا من هذه الكوارث، ولا شيئًا من هذه الحروب، ولم يكن أحدٌ يتحدّث عن نهاية العالم. ولم أستشهد بما تسبّبه أجهزة التّبريد من انبعاث غاز الفريون الّذي أحدث ثقبا في طبقة الأوزون جرى ذلك كله فيما بعد، ففي ذلك الوقت لم تطرح قضيّة الاحتباس الحراريّ، وتغيّر المناخ. ولم يكن يظهر خوارق الدّجّال الّذي مسح تماما معالم الأرض، ذلك الكائن الّذي كنت ألمحه منذ كنت طفلا صغيرا، يبحر ببطء نحو الشّاطئ،لم يشعر العالم آنذاك أنّه يسير اعمى وأبكم أصم نحو قدر مجهول.