عصر المسيح الدجال

لا يكون الحديث عن المسيح الدجّال تخرّصًا ورجمًا بالغيب، أو شأنا لا يراد فيه الإمعان والنّظر لما قد يبعثه من المخاوف لدى العامة أو يكون محلّا للبدع والخرافات لكننا لمّا نتذاكر الدجال فكما كان يتذاكر فيه أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دونما نذهل عنه في انشغال وغفلة

 

إنّ في ذكر الدجال قصر للأمل وفي ترك ذكره دليل دامغ على خروجه وسريان فتنته ولا يمنع من تحري الدجال في زمننا هذا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحراه في زمنه دونما تظهر فيه فتنة واحدة وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر )

 

قال صلى الله عليه وسلم : (غير الدجّال أخوفني عليكم إذا خرج فيكم، فأنا حجيجه دونكم، أكفيكم مؤونته وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، فكل منكم مسؤول عن نفسه، والله خليفتي على كلّ مسلم )

 

على ضوء ما يستبين من أحاديثه صلّى الله عليه وسلّم أنّ الدجال لن يظهر بصورته المنطبعة في الأذهان : وقد قال عنه صل الله عليه وسلم : كما رآه في المنام أنه رجل من اليهود، أفدج أجعد، أعور العين، دميم الخِلقة، كأنّ إحدى عينيه عنبة طافية .. إنها أوصاف معيبة لكنها قد لا تكون صفات ماديّة بقدر ماتكون صفات معنوية مذمومة

 

كما أنّ صلى الله عليه وسلم قال : ( إنّ الدجال أعور عينه اليمنى وإن ربكم ليس أعور ) قد يعني ذلك ضمنيّا أن الدجال ينظر بعين عوراء عندما ينظر إلى هذه الحياة الدنيا دونما ينظر إلى الحياة الآخرة

 

وليس كما نتصور أنه يكون على هيئة رجل إخطبوطي عملاق، مقيَّدة يداه إلى رجليه بالسّلاسل، والأصفاد منفيّ في جزيرة بعيدة في البحر، كما  جاء في رؤيا الصحابي الجليل تميم الداري التي وافق بعضها رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم

 

إنّ النبيّ لمّا وصف الدجال وفتنته قد كان رآه رؤية في المنام، والرؤى عادة ما تحتاج إلى التّأويل. فلقد قال صلى الله عليه وسلم : ( وأراني الله عند الكعبة في المنام فإذا رجل أدم كأحسن ما يرى من آدم الرجال تضرب لمته بين منكبيه رجل الشعر يقطر من رأسه ماء واضعا يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت فقلت من هذا فقالوا هذا المسيح ابن مريم ثم رأيت رجلا وراءه جعدا قططا أعور العين اليمنى كأشبه من رأيت بابن قطن واضعا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت فقلت من هذا قالوا المسيح الدجال )

 

الدجال ولو كان معرفًا بقبح أوصافه، فهو معرفا أيضا بعلاماته، وصيرورة أفعاله، وتسطر خوارقه، وتبدل كلّ الأحوال في عصره ليس كما حسب النّاس أن يروا الدجّال، بأم أعينهم كي يصدقوه أو يكذبوه إذن لن تنطلي عليهم حيلته، مالم تسبق براعته في الإيهام فيقع الناس في فتنته ومالم يعد الناس عنه قبل ظهور فتنته فسيّان بعد وقوع فتنته ألاّ يعودوا وقد أخبر النبي صلى أنه لا يسلم من فتنته أحد

 

إنّ ما يُستنبط من أحاديث الرسول _صلّى الله عليه وسلّم_ أنّ لا أحدَ يرى الدجّال رأي العين وما يُستدلّ عليه إلّا بتحكيم وإعمال العقل، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ( إنّما أحدثكم هذا لتعقلوه، وتفهموه، وتفقهوه، وتعوه فاعملوا عليه، وحدثوا به من خلفكم، وليحدث الآخر الآخر فإنَّه من أشد الفتن )

 

ولن يرى الدجال المهدي الذي يخرج يحارب فتنته، لن يرى الدجال وفقا للأحاديث غير سيدنا عيسى أبن مريم عليه السلام بباب لدّ فيقتله بنيزكه فيذوب الدجال كما يذوب الملح في كأس من الماء إنّ وصفا كهذا لا يُطلق على قتل الرجل، بل يطلق على زوال فتنته

 

وما الدجّال إلاّ إنسان متوارث فكره على مرّ العصور، سائر في الناس منذ ذرأ الله الخلق حتى تخرج فتنته سائدة في أناس عصره، تنعكس عليهم جميعا أوصافه، فيرى الإنسان في عصره أنّه ربما لا وجود لإله في السّماء، ويرى الإنسان أنّه إله عادل على نفسه وليس فكر الدجال جانح منبوذ بل يوافقه السواد الأعظم من النّاس.

 

يؤمن به كثير، ويكفر به قليل، يدعو النّاس في عصره إلى ملاحقة الشهوات والملذّات، التي تقطر من جبينه فيقف عنده متدحرجا غالبا الرأي ؟! ويتجمهر من حوله الناس ويأتوه حبا ورغبة

 

إنّه لا شيء يمنع ظهور الدجّال مهما تضاربت واختلطت من حوله الأنباء، واختُلف فيه الرأي، فهو لا محالة لا بدّ ظاهر في النّاس وليس الدجال يخيف النّاس في أنفسهم بل يدجّل عليهم فيصدِّقوه، ويقبلوا عليه بمحض إرادتهم، وشديد تعلقهم ، وما يُميت الدجال النّاس، وما يحييهم، بل هو أهون على الله من كلّ ذلك

 

وما تظهر فتنتة إلاّ عندما يعلن الناس الكفر والإلحاد ويستعذبون الحرام، ويبغضون الحلال، ولا ينكرون الفواحش، والكبائر مبتعدين عن الطاعات معطلين الفروض والأحكام

 

ولقد أخبر النبيّ صل الله عليه وسلم إنّ ليس ليس فتنة أكبر من فتنة الدجّال منذ خلق اللّه آدم حتى قيام السّاعة، فقال صلى الله عليه وسلم : ( إنها لم تكن فتنتة على وجه الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنتة الدجال ) وقال صلى الله عليه وسلم ( ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال ) وليس أكبر من الفتن التي تؤمّ عالمنا اليوم.

 

بات الدجّال، يجول في الأمصار ويسبق الأخبار ، وينمق الأكاذيب يطلي الحيل تحت غطاء إنسان العلم الحديث الذي أخلّ بقوانين الكون وعاث مخترقا ومفسدا في الأرض،بخروقاته غيّر المناخ، ورفع درجة حرارة الأرض وذوب الجليد وأشعل النار في الغابات.

 

هناك من ينتظر خروج الدجّال، ويمهد له الطريق من رسله، وأعوانه من اليهود، فكما أخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ( يخرج الدجال يتّبعه سبعون ألفًا من اليهود عليهم الطيالسة )

 

فمن يتبع الدجال هم طائفة من اليهود مكّنوا في الأرض بعد أن كفروا بالله العزيز، وآمنوا بربّهم المسيح الدجال فوطّدوا له أعتى قوّة ضاربة في الأرض وأمنوا مكر الله ومكروا مكرهم الذي تزول منه الجبال، بعد أن قويت شوكتهم، وقربت بشراهم إلّا قليلا لتحين غضبة العصر وقد دهت خوارق الدجّال العقول وأسرت القلوب وأتلفت الشّريان وأضرمت في الوجدان، وأخلّت بموصّل في العقل

 

إنّ أحاديثه_ صلّى الله عليه وسلّم_ الواردة في الدجّال تبدو مطابقة حرفيّا لما يحدث تمامًا في هذا العصر، فالدجّال يملك جبالًا من الخبز، يعني تحكّمه باقتصاد العالم، إنّ فتنة الدجّال لا تظهر إلّا، عندما يقلّ منسوب المياه، وتسمّد الطرقات، وتتلف المزروعات، وتُقطع الأشجار، وتنضب الثمار، وتُنتهك كلّ موارد البيئة، فتُمسح كل معالم الأرض

 

قد يكون أوّل خروج سافر للدجّال قبل هذا القرن، منذ حفر آبار النفط،، وأوّل عهد للصّناعة لا يزال يظنّ النّاس أنّ البترول هو الشّريان المتدفّق الأوحد دونما الثّروات الحقيقيّة على ظاهر الأرض.وكما تشير الأحاديث الشريفة أنّ الدجّال معه نهران أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تتأجّج إنه البترول الذي لم يكن يطعم الفقراء ولولاه لأزلفت منذ قرون جنّة على الأرض!

 

منذ أن عرفت البشريّة البترول إبّان مطلع هذا القرن، تصارعت عليه كبرى الدّول، لقد كان نذير وطالع شؤم للعالم بفضله صُنعت أوّل قنبلة ذريّة، ثمّ توالت بعده الاكتشافات والخروقات المدمرة وشُرعت من أجله قوانين المسيح الدجال حتى ملئت الأرض جورا وظلما، لقد شنّت من أجل البترول الحروب العالمية لا تزالت تداعياتها قائمة حتى الآن ولقد أوجد البترول فوارق طبقية بين الدّول، وكفر من أجله كثير من النّاس

 

قد نتصوّر غضبة الدجّال عندما يضغط على الزّناد، فتختفي مدن كاملة، من على وجه الأرض كان بالأمس يقطنها ملايين من الناس ولا تزال مصعدة حرب النّجوم بزعامة المسيح الدجّال إنّ مع تقدّم الاتّصالات أصبح العالم قرية صغيرة حيث يمكن أن يشاهد العالم حدثا واحدا في وقت واحد،كي يسود رأي المسيح الدجّال الذي ودعت في عصره القيم والأخلاق

 

منذ مئة عام قبل البترول،كان يعيش العالم دون أضواء، خاطفة وبريق كاذب كما عاش النّاس عديدا من تلك القرون حتى حلول هذا العصر، المارق عن كلّ العصور والذي ليس له مثيل فلو لم ينظر الناس إلى البترول ماء الدجال الحارق لرأوا في الأرض جنّة حقيقيّة تغصّ وتفيض بالثّروات، لن تحجب فيها كنوز العلم، وآفاق المعرفة، لن تطمسها حضارة الدجال، ويتقاتل هكذا الناس دونما يفكروا بتقاسم الثروات بل قد يعود الناس عدّة قرون إلى الوراء إلى ما قبل خداع وزيف هذا العصر فيستعيدوا بعضا من إنسانيّتهم المفقودة!

 

إنّ من يؤمن بفكر الدجال، ويكفر بالله العزيز ليعلم ما عند المسيح الدجال، وما عند الله فمن آمن بالله وكفر بالمسيح الدجال فهنيئا له جنة عرضها السموات والأرض ومن آمن بالمسيح الدجال،، فهيت له جنته ولقد قال الله تعالى ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )