شجرة الجينات

 

مؤخرا تمّ الكشف  عن علم الجينات الّذي أحدث في حينه دويّا هائلا في العالم، لمّا كان يعد بفتح قنوات معرفيّة واسعة جديدة ربمّا تقود، العالم إلى ما وراء المجهول! مما دفع الباحثين لإجراء تلك المعاينة الدقيقة بمناظير مبتكرة بغية علاج أمراض مستعصية وأهداف أخر لم تكن معلنة تماما

 

هذا الكشف لم يسفر عن ثمّة شيء غير أنّ أزاح حجباً ولو قليلا عن فحوى بعض من تلك النصوص الدينية التي تتحدث بوضوح تام عن إتصال حقيقيّ يجري بين الجن والانس يبدو أنّ ذلك الإتصال وثيقا بعلم الجينات لما يتعلق تحديدا بالصفات وتغيرات أنماط السلوك

 

إنّ ليس للجنّ ثمّة وجود يستوي إليه عقل البشر ! لكن لماذا ذكر الله الجنّ في القرآن – يجدر بنا هنا التنويه إنّ النصوص الدينيّة كما يقال لا يجب أن تتعارض مع ما وصل اليه ماديّا العلم الحديث

 

قد يعبّر أولئك البسطاء المنشغلون بالطاعات عن آرائهم من وحي نصوص القرآن عن وجود صحيح تلك العلاقة بتلبس الجنّ بلإنسان دون حاجة ماسة لهم أن يسوقوا دلائل ماديّة غير ماينعكس واضحا على السلوك من عواقب البعد عن الطاعات وإتيان الفعال المحرمة والسلوكيات الشاذة دونما إكتشاف مدى صحة ذلك الأمر

 

هؤلاء قد يتصفون بشدة الإيمان لكنهم عادة يقابلون بالإستهجان والسخريّة وينعتون بالرجعية والتخلف، لكنهم كانوا ممن يسلمون بالأمر وممن يقولون هذه الآية الكريمة : ( وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) البقرة الآية 285

 

عدا أولئك الذين يؤمنون بخوارق العلم الحديث لكنهم يبدون أيضا عاجزين عن الإيمان والتصديق ويؤلوون أنّ نشأت الأمراض ماديّة بحته وليست أبدا أمراضا معنويّة، ولأنهم لا يملكون سبيلا آخر لن تصل أبحاثهم إلى شيء مالم يعاودوا البحث بطرق مختلفة إنّ هؤلاء جميعا ليسوا بعيدين تماما عن كنه الحقيقة

 

الجن هي كلمات ذات دلالات رمزيّة وردت في القرآن العظيم فقد تحدث القرآن في مواضع عديدة عن الجن أتت في سياقات مختلفة وقد تحمل كلّ منها تأويلا منفصلا عن الآخر وتختلف مدلولاتها كلّ مرة لكن يجمعها عامل مشترك أوحد هي أنها كلّ ما يحدث جملة في الخفاء

 

إنّ كلمة الجن تعني في كل لغات العالم بمفهوم شامل الأشياء المبهمة الخفيّة المحجوبة عن الإدراك والمحجوبة عن النظر إنّ ما يعنينا الآن هو الوصول إلى ذلك الرابط الوثيق بين ما تشير إليه تلك النصوص الدينيّة وبين ما وصل إليه العلم الحديث

 

إن الظاهر في أصله هو ما يحدد الخفاء الذي يكون عكسه تماما ويترك أثرا دالاّ على حقيقة وجوده؛ دون إمكانية رؤيته فكلّ شيئ غير منظور، ليس بدّا أنّه يكون في العدم عندما لا يصعب تحديد مايكون في الوجود لكنه يصعب تحديد مايكون في العدم

 

لا يمكن صناعة منظار آخر يمكنه الكشف عن الأشياء المحجوبة عن نظر الإنسان فليس كلّ شيء محيط بالبشر يجب بالضرورة أن يراه البشر

 

إذا كان الله خلق قبلنا أمما من الجنّ فلن يكونوا منظورين بالنسبة لنا  لكن الله في معادلة أخرى خلقهم من قبل ليكونوا متواجدين معنا الآن فلقد قال الله تعالى ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون )

 

إننا لن نكون بقدر تلك المسئولية عن عمل جيناتنا المحجوبة عنّا بقدر ما يمكن أن نكون مسؤلين عن شيء آخر وفي وقت آخر فلقد قال الله تعالى : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  حتى يتبين لهم أنه الحقّ ) وقال الله تعالى : ( ولتعلمن نبأه بعد حين )

 

إنّ معنى الجان هو تواريه عن الأعين وهنا يضرب القرآن كلمات وأمثلة كثيرة كالجنين، متوار في بطن أمّه, كما جاء في قوله تعالى ” هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم ” النجم من الآية 32

 

وجنّ الليل أي أظلم وأشتد ظلامه قد جاء في قول الله تعالى : يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ” البقرة من الأية 20 وكذلك لفظ الجنّة أي أنها خفيّة عن النظر

 

جاء في الحديث القدسيّ قول الله تعالى : ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. مصداقا لقوله تعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) السجدة  17

 

ويقال في لغة العرب : ( جِنَّ ، جُنونًا وجَنًّا وجَنانًا ، فهو جانّ ) وجاء في قوله تعالى : ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون) أي يامحمد أنّ نعمة ربك لست بغافل عنها وليست خافيّة عليك

 

وكذلك ورد في قوله تعالى ( من شرّ الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس* من الجنّة و الناس ) سورة الناس فبيان ( الوسواس ) هو الذي يتحدث في النفس وبيان (الخناس) هو الذي يختفي ويظهر وبيان (يوسوس في صدور الناس ) أي هو مكان ذلك الوسواس وبيان ( الجنّة والناس ) أي أنّ ذلك الوسواس يكون نوعان نوع من الجن ونوع من الإنس فإذا كان من الأنس كان في الظهور وإذا كان من الجنّ كان في الخفية

 

اللغة وهي أداة من أهم أدوات البحث والاختراع وزاد المعرفة إنّ الله أنزل آخر كتبه السماوية ( القرآن ) باللغة العربيّة هي اللغة الأمّ الجامعة التي تنبثق عنها كلّ لغات العالم إنها اللغة المبينة المتصلّة والمنفصلة القادرة على سبر تلك الأغوا والأكفأ  على الإستنباط والتأويل وبسط  وشرح مفردات كلّ العلوم إنها لغة غنيّة بالمصادر وزاخرة بالإشتقاقات تحمل تصويرا دقيقا لصوت الأشياء

 

ليست العربيّة تحوي فقط معانيا للكلمات بل إنها تملك معان ذاتية للحروف هذه الحروف المصاغة هي تلك الأسماء التي علّمها الله أبينا آدم ولم تتعرف عليها الملائكة لقد قال تعالى ( وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين* قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ) البقرة 32 وقال ( إنّا أنزلناه قرآنا عربيّا لعلكم تعقلون) يوسف 2 وقال (نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من المنذرين * بلسانٍ عربيٍ مبين ) الشعراء 195″

 

إنّ ذلك الإتصال المجهول الذي يحدث بين الجنّ والأنس أشبه ما يكون بمعادلة رياضيّة إفتراضيّة تعويضيّة مختزلة ذات أضلع ثلاثة قيمة إسميّة. وعامل مشترك فاعل وعامل مشترك مفعول .. فما يجمع لغة بين الجنّ والإنس في كلمة قياسيّة وذات علاقة ودلاليّة نوعيّة واحدة في كلّ لغات العالم هي كلمة : (جنس) إنّ أحرفا كهذه جمعت بين تلك العلاقة بقياس توافقيّ صحيح لم تأتِ هكذا محض صدفة

 

إنّ أي صفة معنوية كالوفاء  والإخلاص والسخاء هي صفات حميدة  هذه الصفات مخلوقة من مكونات التربة التي تحمل نسبات عالية وهناك عكس تلك الصفات الحميدة صفات ذميمة تحمل نسبات عالية أيضا جميعها تقاوم المستجدات في البيئة هذه الصفات جميعها مخلوقة في أبينا آدم إنّ لكلّ واحدة من هذه الصفات أسّ مخلوق وهو الجين المسئول الموصل إلى العقل

 

إن عنوان الصفات الحميدة الرئيس هو الشجاعة وعنوان تلك الصفات الذميمة هو الأنانيّة “الكيمياء” وهي كلمة عربيّة تتكون من مقطعين الكيم والماء والكيم في لغة العرب هو الرجل الشجاع إنّ من إكتشف جميع تلك العلوم الأوليّة هم المسلمون العرب

 

عندما يحدث عطب لأيّ من تلك الجينات بسبب ناقل وراثي خارج عن المألوف قد يؤدي إلى ضمور في العقل يولد به الإنسان مما ينتج عنه أمراض الإعاقة ويمكن أن يحدث أشدّ من ذلك العطب من خلال عوامل الإكتساب التي تستثير عوامل الوراثة

 

لكن لا بدّ أن يكون لهذه الصفات وجود ماديّ ملموس يستحيل رؤيته بمنظار آخر يصنعه العلم الحديث غير ما يمكن فقط تعريته من الخارج من خلال مشاهدة السلوك إنّه يستحيل أيضا العثور على ماديّة تلك الصفات الحميدة إن أصحاب السلوك القويم هم عادة أقل من يأتون المحرمات ويتصفون بالإيمان الشديد وينعمون بقلوب سليمة هؤلاء قد لايحملو طفرا جينيّة وقد يقون أبناءهم من شر المرض

 

جاء في القرآن العظيم قوله تعالى ( ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجنّ قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذأي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم ) الأنعام 128

 

إنّ ذلك يشير قطعا إلى حدوث علاقة ماديّة استمتاعية واحدة بين فصيلي الجنّ والإنس إنّ التعبير عن حدوث ذلك الإستمتاع على لسان الإنس هو ما يكون إستمتاعا ماديّا وحسيّا في الجسد إذن الجن وأولياؤهم من الأنس يشتركان معا في إتيان سلوك موحد كي يحدث على حد سواء ذلك الإمتاع كيف يمكن حصول مثل هذا ؟ هذا ما يجيب عنه مكتشفي الجينات

 

جاء أيضا في القرآن قوله تعالى : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ( 179  ) أي أنّ لهؤلاء الجنّ والأنس معا قلوبا وأعينا وآذانا وأنّى يكون للجنّ مثل ذلك في حين أنّنا لا نرى أولئك الجنّ لأنهم محجوبون عن النظر مالم يكن ذلك التشبيه تشبيها مستعارا

 

لقد شبه الله الإنس بالأنعام التي تحيا بالغرائز لأنها حقيقة تشبه البشر لها قلوب لكنها لا تفقه بها ولها أعين لكنها لا تبصر بها ولها آذان لكنها لا تسمع بها إنّ خطابا كهذا موحدّا وموجها للجن والأنس معا يجب أن يكون موجها لفصيل واحد مالم يكن الجن والإنس معا في وحدة تامّة

 

جاء في سورة الرحمن قوله تعالى : ( سنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ*فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) الآية 32وهو خطاب أيضا موجه للجن والإنس معا وقوله الثقلان أي اللذان يثقل أحدهما على الآخر حصول هذا التأثير لا يكون إلاّ في محلّ واحد  في وقت واحد يتمّ فيه إرتكاب ذلك الجرم الذي يستحقّ عقابا واحدا أيضا

 

وفي الآية الكريمة ( فبأيّ ألاء ربكما تكذبان ) إنّه أيضا خطاب واحد وقال ( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ ) إنهمّا يعاقبان معا ويشعران بذلك العذاب ثمّ يخاطبهما الله مرة أخرى ببيان نوعهما ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ ) الآية 33

 

ثمّ جاء قوله ببيان خلقهما معا : ( خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ *وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ) أي خلق الإنسان ظاهره من صلصال فخار وخلق الجان من مارج من نار وجاء قوله تعالى في خلق الجن أيضا ( وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ ) الحجر/27

 

بين الله تعالى أنه خلق الإنسان من حمإ مسنون فقال:  ( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون) الحجر 26 وهو الطين الأسود المنتن والرطب اللزج الذي يكون في سبخ الأرض موافقا قوله تعالى : ( فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب ) الصافات 11 إنّ هذا الطين له صفة التمازج لصفة أخرى

 

قد تشير بعض من  آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الجن والإنس إلى نوع من التضاد وإلى نوع من المقايسة والتفاضل وكذلك إلى نوع من الحسد كما جاء على لسان الشيطان في هذه الآية ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) إنّ خلق الطين أشدّ مايكون ضعفا وقد قال تعالى:(وخلق الإنسان ضعيفاً)

 

لقد جاء قوله تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) الكهف  50  وردت هنا صفة ماديّة مذمومة للجن وتشير الآية إلى ذريّة إبليس لا شكّ أنها ستكون معادلة لذريّة آدم حيث أنّ لكلّ من ذريّة آدم له شيطان كما له ملاك أيضا كما أشارت إلى ذلك عديدا من النصوص

 

إنّ علينا أن نعلم شيئا عن تناسل تلك الذريّة وعلينا تأويل كذلك كيف ولج الشيطان في جوف أبينا آدم ولن نصل إلى شيء مالم نحمل ذلك كلّه على المجاز إننّا نشعر بالشيطان في أنفسنا ولسنا نشعر به في مكان آخر

 

جاء في آية شبيهة أيضا قوله تعالى:( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) البقرة الأية 34   وما نستفيده من هذه الآية الكريمة عدا أننا لا نعلم ماهية طبيعة ذلك السجود الذي سجدته الملائكة لأبينا أدم – مالم يحمل على المجاز – تكريم للإنسان من لدن الله  وإنّ الإباء والإستكبار عن أمر الله هو صفة الجاهلين وإنّ إبليس إذ يغلب عليه الجهل فليس له سلطان على عباد الله المخلصين لقول الله تعالى على لسان إبليس : ( قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين ) ص الآية 83

 

لقد حذرنا الله مليّا من الشيطان ووصفه لنا أنه  عدو مبين فقال الله تعالى : ( إنّ الشيطان للإنسان عدو مبين ) يوسف 10 قال الله تعالى ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا )  في حين أنّ الله لم يسلط علينا عدّوا من غير أنفسنا فهل للشيطان وجود حقيقي خارج أنفسنا ؟ إنّ ذلك الوسواس الذي يختفي ثمّ يظهر في صدورنا يعمل في صدورنا وليس يعمل من الخارج

 

لقد أخبرنا النبيّ صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم ) فأوجب الشارع الإستعاذة منه لئلا نقع في شركه لقوله تعالى : ( وإمّا ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنّه سميع عليم ) هكذا نصرف عنّا الشيطان وما تفيده هذه الآية إنّ لنا أن نصرف الشيطان لماذا لا نفعل إنها حجة علينا ليست حجة لنا

 

إنّ الشيطان لن ينزغ بيننا إلآّ أن يكون قابعا في نفوسنا و ذلك أنّ الطاعة والمعصية مخلوقتان في النفس لقول تعالى : ( ونفس وما سواها * ألهمها فجورها * وتقواها ) إنّ الله لن يبتلي عباده بكبائر الذنوب وهي رجس من عمل الشيطان بل أمر الله عباده أن يجتنبوه ولن يبتلينا الله إلاّ بما يستحقّ أن يأجرنا عليه

 

وصف الله ماذا يحدث عندما يأتي الإنسان إحدى من هذه الكبائر كإتيان سلوك شيطاني محرم الذين يأكلون الربّا: قال تعالى : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) البقرة من الآية 257 سبب حدوث مثل ذلك يعد أمور غيبيّة لكن القرآن عبّر عنها أنها رجس من عمل الشيطان وضرب بها المثل : قال تعالى : ( وكذلك نُصَرّف الْآيات ولِيقولوا درست ولِنبيّنه لقوم يعلمون ) الأنعام 105 وقال :  (كذلك يضرب اللّه الأمثال ) الرعد من الآية 17 وقال : ( وتلك الأمثال نضربها للنّاس وما يعقلها إِلا العالمون ) سورة العنكبوت: 43

 

إنّ جريان الشيطان في دم الإنسان قد لا يكون أمرا معنويّا فحسب بل قد يكون حقيقة ماديّة فما تشير إليه مجتمعة تلك الآيات أنّ للشيطان وجود ماديّ حقيقيّ في الإنسان قد يكشفه الأطباء في يوم من الأيام

 

جاء تفسير قوله تعالى في سورة الأعراف من الآية : 38 : ( قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار )  أي( ادخلوا في أمم ) أي : من أشكالكم وعلى صفاتكم و( قد خلت من قبلكم ) أي : من الأمم السالفة الكافرة إنّ ذلك لم يتحقق بالنسبة لنا بعد في أمم أو مع أمم بتقدم أو تأخر الزمان

 

إنّ تلك الأمم التي خلت من قبلنا وكانت في النار كما ورد في هذه الآية هي من الجنّ والإنس في حين أنّ الله خلق من قبل أمما من الجن لكن لم يخلق أمما غيرنا من الإنس إننا موجودون الآن لكننا قد لا نشك أننا مخلوقون من قبل قد يكون موافقا ذلك قول الله تعالى :(الله يبدأ الخلق ثمّ يعيده ثمّ إليه ترجعون) الروم الآية 11 إنّ علينا بوجه التحديد معرفة من تكون تلك الأمم التي خلت من قبلنا إنّ الله قال : ( ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون)  آل عمران55

 

جاء في تتمة هذه الآية ( كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم) من الآية 38 هل سيحاسب الله معنا تلك الأمم المخلوقة من قبل من الجن قبل خلق أبينا آدم أم سيحاسبنا نحن فقط  وورد في تتمة الآية 38 ( ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون) إنّ الله ليريد منّا أن نعلم ما جاء في تفسير هذه الآية أي : قد فعلنا ذلك وجازينا كلا بحسبه في قوله ربنا هؤلاء أضلونا) وفي الآية 39 ( وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) إن هؤلاء  الأمم من الجنّ هم مخلوقون معنا

 

لنعود الآن إلى ذريّة الشيطان تلك الأمم من الجن التي خلق الله من قبل فلم يتبق منها إلاّ الشيطان لقول الله تعالى :  إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) من الأية 50 سورة الكهف ورد في التفاسير  : أي أنّه كان من الجن ولم يكن من الملائكة فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس إنّ مثل ذلك لايبدو مستقيما مالم يحمل على المجاز

 

ذكر المفسرون كنى كثيرة وردت في لغة العرب لأوصاف الشيطان جميعها أوصاف مذمومة دون نصّ صريح قد تكون غريبة بعض الشيء لكنها قذ تنمّ عن كنه الحقيقة إنّ وجود ذريّة الشيطان نص صريح في القرآن قد يقبل التأويل لكن لا يمكن نقضه أبدا

 

إنّ هناك بالطبع كثير من الأسئلة المحيرة والملحّة لن يكف السؤال عنها : فكيف يستطيع الشيطان وذريته أن يغووا البشر جميعا في وقت واحد إنها أسئلة تبدو عجيبة وغريبة بعض الشيء ربما لأننا لم نكن نسألها من ذي قبل

 

إنها ليست أمور غيبيّة نهينا عن الحديث عنها قد تكون حجة للذين لا يعلمون بل يرون أنّ كلّّ ما يستجد بدعة بينما يرى الآخرون وحاشا أن يكون ذلك أنّ الله والشيطان وجهان لعملة واحدة بل إنّ الله كثيرا ما يحثنّا على الإجتهاد والتفكر كما يأمرنا الله في القرآن أن نتدبر القرآن فقال : ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) القتال الآية 24 وقال : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) فصلت ، الآية 53

 

وقال (وفي أَنفسكم أفلا تبصرون) وقال ( أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون) الروم الآية

 

إنّ الشيطان لنا عدوّ مبين فمن الواجب أن نستبين عدونا ونعلمه جيّدا فهل لا يتعدى كون الشيطان رمزا في قصص القرآن؟ وليس كما نتصوره في أذهاننا لذا يجب وكي ننتصر على الشيطان أن نشعر بالإستقلاليّة عنه تماما قال الله  مخاطبا الشيطان  ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) يعني الله بذلك المخلصين من عباده أولئك من كانوا يحبون الله ويخلصون في عبادته

 

جاء في الآية ( وأما من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى ) ماتفيده هذه الآية الكريمة إن إغواء الشيطان هو ما يعادل إتباع هوى النفس إنّ العلماء السابقين إجتهدوا في تفسير ظاهر القول دونما تظهر لهم أشياء أخرى ودونما نقض صريح للفظ القرآن فإنه باطل فقالوا إذا كان للشيطان ذرية فلا بدّ أن تكون له زوجة لا شيء مثل ذلك ثابت من نصوص الوحي غير أنّهم قالوا أنّ الشيطان يفرخ ويبيض ليخرج ذريته إستنادا لحديث الرسول الأكرم صل الله عليه وسلم : ( لاتكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها ، فيها باض الشيطان وفرخ .) رواه البرقاني في صحيحه كما قال النووي في رياض الصالحين.

 

كما أنهم لم يعلموا طريقة وجود نسله إذا كان من تزويج أو غيره فقال الشعبي: سألني الرجل: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك عرس لم أشهده! ثم ذكرت قوله تعالى: ( أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني ) فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت: نعم.

 

وعن قتادة. وقال مجاهد : ( إن كيفية وجود النسب منه أنه أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات: قال: فهذا أصل ذريته. ) وقال بعض العلماء : ( إن الله تعالى خلق له في فخده اليمنى ذكرا، وفي اليسرى فرجا ، فهو ينكح هذا بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا وشيطانة ) جاء في لسان العرب أن فرّخ وأباض أي أنه أخرج شيئا

 

إننا ربمّا من قد نشهد عرس الشيطان بمثليته الواقعة فينا الآن – وقد يمكننا معرفة تفاصيل جريان مثل ذلك – جاء على لسان الشيطان في سورة النساء الآية من 121 : ( ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله)

 

في سورة الأسراء الآية 62 قوله تعالى : ( قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتنِ إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلاّ قليلا ) وفي سورة الحجر الآية 39 ( قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين ) وفي سورة الأعراف : ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين )

 

إنّ ممّا ذكره كثير من المفسرين حيال أوصاف الشيطان وما قلده أولاده من أسماء تقريبيّة ومفردات وظائفيّة عديدة ك زلنبور صاحب الأسواق. (وتبر) صاحب المصائب يأمر بضرب الوجوه وشق الجيوب. والأعور صاحب أبواب الزنى. ومسوط صاحب الأخبار يلقيها في أفواه الناس فلا يجدون لها أصلا . وداسم هو الشيطان الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله . وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه. والولهان صاحب الطهارة يوسوس فيها، والأقيس صاحب الصلاة يوسوس فيها، ومرة صاحب المزامير وبه كان يكنى إبليس –

 

روى مسلم في صحيحه:: أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك شيطان يقال له خنزب . فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه ، واتفل عن يسارك ثلاثا ) قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني . لكن تأمل في قول النبيّ ( فإذا أحسسته)  إنّ هذه الصفات صفات إنسانيّة جينيّة

 

..في تفسير الجلالين لنار السموم (هي نار لا دخان لها تنفذ من المسام .) وقد قال ابن مسعود : (نار السموم التي خلق الله منها الجان جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ) وقال ابن عباس : ( السموم الريح الحارة التي تقتل ). قال أبو عبيدة : ( السموم بالنهار وقد تكون بالليل، والحرور بالليل وقد تكون بالنهار ). القشيري : وسميت الريح الحارة سموما لدخولها في مسام البدن.

 

قال الله  : [ وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ] ذلك ما يشير أنّ الله في الأصل خلق الأنس لعبادته كما خلق  الجنّ لعبادته أيضا رغم أنّ الله يعلم أنّ كثير منهم لن يعبدوه وسيستكنفون عند عبادته علوّا وإستكبارا أو تعلقّا بمتع الحياة الدنيا وإيثارا على الحياة الدنيا الجنّة التي أعدت للمتقين

 

فضرب ذلك المثل للجن والإنس معا إنّ في حقيقة الأمر  إنّ الله خلق الجان والإنسان في خلق واحد ظاهره الإنسان وباطنه هو الجان وفي لفظ مجاز مبسط آخر لم يستند عليه هذا البحث أننا نكون أولئك الجنّ والإنس في خلق واحد معا وليس يوجد للجن في غير أنفسنا خلقا آخر

 

إنّ خلق الجان في الإنسان يتمثل بنار السموم تشبيه أبعد لبركان من الغليان والغضب الذي يغضبه الإنسان وذلك هو التضاد في خلق الإنسان من صلصال كالفخار أي من الطين الذي عادة ما يحتفظ بالبرودة مدة أطول وخلق الجان في الإنسان من نار السموم ذلك ما يشترك فيه خلق الإنسان والشيطان جزئيّا معا

 

إنّ منشأ الصدام بين الفطرة التي تمدّ حياة صحيحة للجسد وبين النزعة الغرائزيّة التي تؤدي إلى فقد أو اكتساب سلوك حميد فالأخلاق الحسنة أو السيئة هي من تمنح خلايا الجسد ؛ من رداءة أو سلامة المضمون كصفات منجية أو صفات مهلكة يتصف بها الإنسان تلك الخلايا تجري فيها مائية الأخلاق بالزيادة والنقص أكانت محمودة أو مذمومة  تنعكس على السلوك بالإيجاب والسلب إنّه عندما تجاوز الإنسان تلك المعايير الأخلاقيّة والحدود التي رسمها الله للخلق يصل إلى حريّه فوضويّة يتحول عندها إلى خلق جينيّ آخر مجبولا على إتيان المعاصي والذنوب وحبّ شهوات وملذات الحياة إنها مفاسد عظام يتوارثها الأجيال وينحدر بها جميع الخلق

 

قال تعالى مبينّا تلك الحدود : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) المائدة / 90 وقال : (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) الإسراء / 3  وقال ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ) الفرقان / 68 وقال ( تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم 13  ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) النساء 14 وقال : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً) النساء/31 .

 

إنّ نشأة الأمراض المستعصية هي نتاج لسلوك مجتمعيّ بشريّ واحد تنحصر في عوامل الوراثة وفي عوامل الإكتساب تعود حقيقة الأمراض المستعصية تبعا لذلك السلوك فقبل أيّ شيئ آخر تعدّ كثير من الأمراض القاتلة أمراض سلوكيّة – والأمراض النفسية في حقيقة الأمر هي أمراض عضويّة أيضا وليست أمراض روحيّة أبدا فهي تظهر من خلال تعاطي السلوك العام تظهر بشكل لافت عند توافر مناخ واحد لتلك البيئة الحاضنة التي تصطدم بشدة مع عوامل الوراثة

 

هناك قلّة من الأشخاص يشفون من تللك الأمراض المستعصية بإعجوبة تلك الحالات لا تحمل على أيّ تفسير فهذا ما انتهى به المطاف لدى مكتشفي الجينات لعوامل مفقودة وأسباب معجزة وقد تتطلب إعادة تكييف الخلق وشفاء أمّة بأكملها هناك سببا ضليعا آخر لنشأت كثير من تلك الأمراض القاتلة عندما عبث الإنسان بأنانيته بمقدرات الكون فتسبب في ثقب في طبقة الأوزون التي تنفذ من خلالها الأشعة تحت الحمراء كأحد الأسباب المباشرة لمرض السرطان إنّ الأمراض كذلك لها علاقة وطيدة بالبرودة والحرارة التي تنفذ إلى مسّام البدن الإنسان أيضا ساهم إلى حدّ كبير في إحداث الإحتباس الحراري كجناية كبرى على الإنسان والبيئة

 

لقد قال الله تعالى : ( وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون* وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون *فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون ) الأسراء 94  .

 

وخلق الناس جميعا كخلق نفس واحدة إذ قال الله تعالى : ( ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) النساء 1

 

إنّ الله لن يحاسب الناس بذنوب لم يقترفوها لذلك يحاسبهم فردا فردا فمن عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ولن يزر الله وازرة وزر أخرى كما أنّه توابّ حليم وليس بظلامّ للعبيد وقد حرّم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرمّا وقد قال : ( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون )  55

 

إنّ شجرة الجينات التي اكتشفها مؤخرا العلم الحديث هي تلك البيوت التي تقبل الإعمار كما تقبل الهدم لن تكن بمنأى عن منظومة الغرائز القريبة في الشكل والمضمون لتلكما الشجرة التي نهى الله أبوينا آدم وحواء أن يأكلا منها فدلاهما الشيطان بغرور .. فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما فأخذا يخصفان عليهما من ورق الجنّة.