النشأة الأخرى

 

قال الله تعالى : ( ونحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين*على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون *ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ) س الواقعة 60– 63

 

قال : ( ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ) يعني خلق آدم عليه السلام من طين كما قال تبارك : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) س المؤمنون 12 أي أنشأ الله كل شيء وابتدأه ليس له قديم في الوجود إذ قال الله تعالى : ( أولا يذكر الإنسان إنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ) س مريم من الآية 66  

 

وقال : ( وننشئكم في مالا تعلمون ) أي في هيئات وكيفيات مباينة لا تعلمونها قال مجاهد في تفسيره : ( فيما لا تعلمون ) في أي خلق شئنا وقيل المعنى ننشئكم في عالم لا تعلمون وفي مكان لا تعلمون )

 

قال الله تعالى : ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق * ثم الله ينشئ النشأة الأخرى* إن الله على كل شيء قدير ) س العنكبوت الآية 20 أي ينشأ الله من نواة خلقه خلقا أخر قابلا لحياة الخلود قال السعدي في تفسيره : ( وهي النشأة الأخرى التي لا تقبل موتا ولا نوما وإنما هو الخلود والدوام )

 

قال الله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم أنكم بعد ذلك لميتون ثم أنكم يوم القيامة تبعثون ) س المؤمنون الآية 13- 16

 

قال ( فكسونا العظام لحما ) ذلك هو خلق الإنسان فقال تعالى ( ثم أنشأناه خلقا آخر ) أي خلقا ذاتيا مرحليا قابلا للتطور والتشكل حتى أنه بعد الموت والبعث ينشأه الله النشأة الأخرى وقال : ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) فتبارك لأحسن ما صور وخلق على منواله جميعا

 

قال الله تعالى : ( أولم يرى الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ) يس من الأية 77 – 80

 

فقال : ( الذي أنشأها أول مرة ) فيه إشارة للنشأة الأولى التي تليها بعد الموت والبعث نشأة أخرى لقوله تعالى : ( ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ) س الواقعة 63 وقال ( وهو بكل خلق عليم ) أي هو عليم بمخلوقاته إذ قال : ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون )

 

فقال الله تعالى : ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) الأنبياء 104 أي أن الله تعالى قادر على ما يشاء أن يفعل وأن ذلك يكون بعد الفناء وكما قال الله تعالى ( وهو الذي يبدئ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم )  س الروم الآية 27

 

: أي أهون عليه أن يعيده وليس كما كان في حالته السابقة ) وقال : ( وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ) أي دليلا على قدرته مثل أنكم ترون عظيم قدرته وعزته وحكمته في خلقه السموات والأرض

 

قليل من أمثلة في الحياة الدنيا مشابهة لها في الحياة الآخرة فجاء وصف النار كأنما هي الحمم والبراكِين، وجاء في وصف الجنّة كأنما هي الظلال والأثمار والأنهار والعيون والحدئق والبساتين ..

 

قال الله تعالى : (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ) س محمد الآية 15

 

فقال : ( مثل الجنة ) نعتها وصفتها الجميلة وقال ( فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من خمر لذة للشاربين ) قد ضرب لها مثالا مجاز على الحقيقة.. وقال كمن هو خالد في النار ) ذلك مفاضلة بين أهل النار وأهل الجنة

 

لقد قال صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قال : ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) وقال الله تعالى : ( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) س السجدة الآية 17 إن ما نعلمه مما أخفي لنا من نعيم الجنة إلا أمثلة شبيهة مستعارة من نعم الحياة الدنيا لكن بلغ بها المراد والقصد

 

ولقد حرم الله تعالى على عباده الخبائث وأحل لهم الطيبات بأحسن مما حرم عليهم فأحياهم بذلك حياة طيبة وأسبغ عليهم بجزيل  نعمه وإن يعدو نعمته لا يحصوها وقد كان في إجتنابهم ما حرم الله عليهم  إمتحانهم لقوله تعالى : ( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى ) س النازعات الآية 40- 41

 

قال الله تعالى : ( وفاكهة مما يتخيرون *ولحم طير مما يشتهون ) س الواقعة الآية 20 15 وقال : ( كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ) س الطور 18 وقال الله تعالى ( أن كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا به من قبل وأتوا به متشابها ) س البقرة من الآية 25 وقال الله تعالى : (وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون ) الطور الآية 20

 

فيكون الاستغراب أن أصحاب الجنة يأكلون ويشربون فكيف تكون لهم الحاجة فجاء عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عندما سأله رجل من اليهود – فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة ؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حاجة أحدهم عرق يفيض من جلده فإذا بطنه قد ضمر )

 

وبما ينطوي على حديثه صلى الله عليه وسلم أنه لا جواز بقاء لخلق الدنيا في النشأة الأولى وخلق الآخرة دون غاية لوجودهما واستخدامهما معا : فكان في خلق أبينا آدم أجهزة للاستطعام والمضغ والبلع والهضم والإخراج ..كما يلزم تكوين الخلق المتوافق التي تقضى على نحوه الحاجة ..

 

لقد جاء في أحوال أهل الجنة أنهم لا ينامون ولا يموتون ولا يهرمون ولا يمرضون ولا يتغوطون ثم أنهم في الجنة يطعمون لكن بانتفاء أحدى من تلك الغرائز المترابطة تنتفى معها جميع غرائز الدنيا فصفات أهل الجنة لا تتفق أن تكون لأجساد طينية منهكة ضعيفة تبلى وتهرم وتمرض محتاجة إلى الراحة كي تقوى وإلى الغذاء كي لا تموت

 

جاء عن ابن عباس أنه قال : ( دار السلام : الجنة وأهلها لهم السلامة من جميع الآفات والعاهات والأمراض والأسقام ولهم السلامة من الهرم والموت وتغير الأحوال عليهم ) وفي عقائد الشيخ الصدوق ( اعتقادنا في الجنة أنها دار البقاء ودار السلامة لا موت فيها ولا هرم ولا سقم ولا مرض ولا آفة ولا زماتة ولا غم ولا هم ولا حاجة ولا فقر

 

كما إن الله خلق الإنسان جزوعا هلوعا كما في قوله تعالى : ( إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا ) ذلك خلقه في الحياة الدنيا مالا يتفق لحياة الدوام والخلود

 

وقد خلق الله الإنسان في كبد كما قال الله تعالى .. ( لقد خلقنا الإنسان في كبد ) أي ما يكابده الإنسان في طبيعة خلقه وقد خلق الله له كبدا محل لهذا الكبد.. كما خلق له بطنا وفرجا امتحانا للحياة الدنيا ما لا يتناسب مع نعيم الحياة الآخرة

 

قال الله تعالى : ( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى * من نطفة إذا تمنى * وإن عليه النشأة الأخرى ) النجم من الآية 45 – 46 قال ( وإنه خلق الذكر والأنثى * من نطفة إذا تمنى ) : أي كان ذلك خلقه بطريقته في النشأة الأولى .. ثم أتبع عز وجل عطفا عليه قوله : ( وإن عليه النشأة الأخرى ) ما يفهم بالتحديد أن خلق النشأة الأخرى مختلفا عن  خلق النشأة الأولى ..

 

قال الله تعالى : ( ولهم فيها أزواج مطهرة ) س البقرة من الآية 25 وقال الله تعالى : (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا ) س النساء الآية 57

 

فقال ( لهم ) وقال ( سندخلهم ) وقال ( ولهم ) فإن الله يخاطب في آياته عباده جميعا الذين آمنوا وعملوا الصالحات من النساء والرجال على حد سواء فهم متساوون بينهم في استحقاق الثواب والعقاب

 

وقد قال الله تعالى : ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى فلنحيه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) النحل 97 فلا فرق بينهم ذكر وأنثى في عمل الصالحات وبأحسن ما كانوا يعملون في الجزاء )

 

وقال الله تعالى : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين * وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون * يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم * ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون ) س الطور الآية 22- 24 قال : ( كل امرئ ) كل إمرأة أو رجل

 

وقال الله تعالى : ( يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ) س الزخرف الآية 71 وقال : ( يطاف عليهم بكأس من معين * لذة للشاربين ) س الصافات 45 – 46 وقال : ( ويطوف عليهم ولدان مخلدون ) س الإنسان الآية 19وقال : ( يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس معين ) الواقعة 17 – 18 وقال ( وحور عين* كأمثال اللؤلؤ المكنون ) س الواقعة 21 -23

 

قال الله تعالى : ( إن المتقين في جنات ونعيم * فكهين بما أتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم * كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون * متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين ) س الطور من الآية 17- 20

 

وقال الله تعالى :وعندهم قاصرات الطرف عين ) س الصافات الآية 48 وقال الله تعالى : ( إن للمتقين مفازا * حدائق وأعنابا * وكواعب أترابا * وكأسا دهاقا * لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا * جزاء من ربك عطاء حسابا ) من الآية 31- 36 وقال تعالى : (مثل الجنة التي وعد المتقون ) س محمد 15

 

جاءت هذه الآيات في المتقين وهم الذين اتقوا عقاب الله فامتثلوا لأوامره واجتنبوا نواهيه ولا فرق في تقوى النساء وتقوى الرجال لقوله تعالى ( ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما ) س الفتح الآية 5

 

قال الله تعالى : ( إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون *هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون * لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون * سلام قولا من رب رحيم ) س ياسين من الآية 55 – 58

 

فقال ( إن أصحاب الجنة ) أي المؤمنين والمؤمنات من النساء والرجال على حد سواء وقال ( هم ) أي أصحاب الجنة وقال (وأزواجهم ) أي قرنائهم من نساء الجنة وليس بمنظار أزواجهم في الدنيا بطريقة خلق آدم لقوله تعالى : (*ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ) س الواقعة الآية 63

 

ولقوله تعالى : ( وزوجناهم بحور عين ) أي أضفنا إليهم وقرناهم جميعا من النساء والرجال بحور عين من نساء الجنة لكن ذلك أبعد ما يكون من غرائز الدنيا بل بما يفوقها في العدد من النشوات الروحية وشديد المؤانسة وقد قال الله تعالى : ( إنا أنشأناهن إنشاء * فجعلناهن أبكارا * عربا أترابا ) س الواقعة من الآية 35-37

 

فلا يفرد في الجنة وصف للرجال دون النساء بل صورهم جميعا على صورة أبينا آدم في الحسن والجمال والطول.. كما جاء أن أخلاقهم على خلق رجل واحد وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضاء جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم طوله ستون ذراعا في عرض سبع أذرع )

 

وجاء عن الباقر أنه قال : ( إن أهل الجنة جرد مرد مكحلين مكللين مطوقين مسورين مختمين ناعمين محبورين مكرمين إلى أن قال : قد ألبس الله وجوههم النور وأجسادهم الحرير بيض الألوان صفر الحلي خضر الثياب

 

وعن أبي هريرة قال : إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة ثم هم بعد ذلك منازل لا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبصقون أمشاطهم الذهب ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم آدم ستون ذراعا

 

 

 

 

error: Content is protected !!