المواجهة الشجاعة

 

بدى أننّا نعيش في زمن رفع فيه العلم، وحط به الجهل شاهداً عليه ما نقرّ به وما نلبث قليلا إلاّ ونتراجع عنه، في حين ندّعي تبياننا ومعرفتنا كلّ شيء في زمن فكر أحاديّ أعزل..! نعصى الله فيه جهرة ونحن على يقين وعلم وبصيرة.

 

من الصحيح حقّل أن نعود، من ذلك الطريق الشائك مهما تطلب الأمر، لننهج طؤبقا آخر بعدما ندلي بالمعلومات المتوافرة الصحيحة ونعترف بأخطاء مشهودة، لا تكاد تعتفر فإنّ لا أحدا أخيرا سينجو من تبعة الأخطاء.

 

إننا ونحن نعيش في عالم النسيان والغفلة ما نتّبع إلاّ ما يكون في غياهب الظن لا سيما أن العالم من حولنا؛ متطلعا تواقا لمعرفة الحقيقة،معلقا الآمال

 

إننا لعندما نقرّ أمرا صحيحاً، ليس لأنه في حد ذاته صحيحا بل لأننا نعامله في الواقع، لذلك نقر أنه أمرا صحيحا ولم يعد صحة ما نعتقد به الآن يستجيب للعقل والمنطق.

 

وعندما نتدبر، شيء لا نرده وإن كان خاطئا وليس نتدبر، إلا ممّا قد سلف وإن كان لا يواءم العصر وما رأينا إلاّ التقوقع والإنعزال وقطع بيننا جسور التواصل فأفلسنا من حاضرة كلّ شيء واختلط  هكذا علينا برمته الأمر

 

استعصي، علينا الحلّ، وعندما نريد الخروج من عداءنا الطويل،يبرز أمامنا كلّ مرة طريق مسدود. إذن لا بدّ أننا نؤول شيئا مّا تأويلا خاطئا و نسوق له المبررات وندمغ به الحجج وعندما نستر عيوبنا نقوم بكشف عيوب الآخرين ويبقى أن ندير دفة الخلاف دونما نجد حلاّ قاطعا بل قد نرى كلّ من يخالفنا في الرأي يعمه في غيّ وضلال.

 

من أجل تسطيرنا ومبادلتنا لذلك العداء قلنا بتحريف الكتب السماوية بيد القول بتحريف كتب الله فيه قول مختلف من يقول بالتحريف لم يرعى أنّ أهل الكتاب يعرفون كتابهم كما يعرفون أبناءهم أو لو أنهم أقاموا كتبهم لأكلوا من فوقهم أو من تحت أرجلهم إنّ نبينا الكريم لم يقل صراحة بذلك التحريف، بل قال (لا تصدقوهم ولا تكذبوهم)

 

إنّه يمكن للجميع دون حصر أن ينقل الكلم من موضعه أو ممن يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله أو عندما نؤول كتاب الله تأويل خاطئا يضل به كثير من الناس إننا نملك دوما اجتهادًا منحازاً؛ عندما نقول أنّ الذكْر هو فقط القرآن، بينما الذكْر هو ما أنزل في جميع الكتب السماوية وتلك الحقيقة التي يصعب تقبلها للأبد أنّ أهل الذكر ممن سيقونا هم أهل الكتاب

 

وليس كما نقول أنّ من سبقونا في الإيمان هم المهاجرون والأنصار بل صحيحا أنّ من سبقونا في الإيمان هم أهل الكتاب إننا عندما نقول مثل ذلك فإننا ننفي كتب الله التي يحاسب عليها أهل الكتاب فكيف لنا إذن أن نؤمن بكل كتب الله ولقد عزونا القرآن وحده إلى اللوح المحفوظ

 

لقد أصبح النصارى واليهود بعد ألف من السنين وفي سنوات، جدا قصار الضالون والمغضوب عليهم في حين يمكن أن نكون نحن أشدّ منهم كفرا وضلالاً ونستحق أيضا جمّ ذلك الغضب. ويشملنا أيضا ذلك الضلال وقد قال الله ( والأعراب أشدّ كفرا ونفاقا ) إنّه ما ترد أيّ آية شائنة في القرآن إلاّ وقلنا أنها نزلت في النصارى واليهود إننا بذلك نزكيّ أنفسنا كثيرا على الله لم نرى الخطاب إلاّ محتكر لفهم فرقة واحدة من المسلمين دونما يفقهه غيرهم في حين أنّ كان إفتراق المسلمين ثلاث وسبعين فرقة

 

ونكفر جزما أهل الكتاب ونقول بإنهم وقود النار ومحرمّ عليهم دول الجنّة، وأقفلنا بذلك بيننا وبينهم الطريق دون دعوتهم ودونما جدالهم بالتي هي أحسن بل نرفع عليهم أبدا راية القتال وبينما نكفرهم فالصحيح أنه لايقع عليهم الكفر إلاّ من قال ذلك من أهل الكتاب كفرا وظلما وعدونا وبغيا بينهم

 

لفد قال اليهودأنّ عزير إبن الله وقالت النصارى إنّ الله عيسى إبن مريم لكنّ الله يكفر من قالوا عدوانا وكفرا ولا يكفر من جهلوا فقالوا بجهلهم ما ورد على أولئك، حجة دامغة في القرآن وفي سائر كتب الله غير على الذين قالوا كيف يمكننا أن نصدق جميعا أنّ رجل مثلنا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق مهما أوتي من المعجزات يمكن أن يكون إلها خلق كونا مليء بكل هذه الكائنات ثم يتجسد في خلق بشر إنّ هذا لن يكون أبدا حقيقيّا

 

بل إننا نستوي مع من يقول لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى لكأنما يملك أهل الكتاب أو يملك المسلمين صكوك الغفران! لقد كنّا نسيء لأهل الكتاب فيسيئوا إلينا كما نسيء لبعضنا فيسيء إلينا البعض ما يوغر في الصدور إنّ هذا كلّ شيء وليس عداه شيئ آخر إنّ رسول الله لم يكن يسيئ لأهل الكتاب وقد أتى منهم عهدا وضمانا وحفاظا على دينهم ..

 

أنّ قلوبنا لم تعدّ تتسع لشيء من الإنصاف ولم نكن في حقيقة الأمر ننتصر لدين الإسلام بل قد كنا ننتصر لأنفسنا عندما نستعدي أهل الكتاب إننا عندما نسخر ونستهزئ مليّا بالآخرين لا نقبل أن يسخر ويستهزئ عدوى بنا الآخرين وعندما نسب أحداً لا نريد أن يسبنا أحد.

 

ولم نكن نقدم لأنفسنا شيئاً نفيسا كي نقدمه لأهل الكتاب ولم نكن ندعوا أنفسنا وندعوهم يوماً إلى دين، الله الصحيح بل نرى أنّ هذا الدين، القويم الذي أنزل هدى ورحمة للعالمين، أنزل لنا وحدنا، دون العالمين. بينما نبي الإسلام أرسل للعالمين كافة، إن مضينا بتلك المفاهيم لن بقود العالم يوما للتآلف والمحبة ..