الملك عبد العزيز

 

 

أطلق على الراحل الملك عبد العزيز سلطان الحجاز ونجد، وملحقاتها، وبعد فترة وجيزة سمّيت بلادنا بالمملكة العربية السعودية، نسبة لأسرة الملك. تفاوت حكم أسرة آل سعود على مدى ثلاثة قرون، إبان آواخر عهد الدولة العثمانية، كما ذكر المؤرخون منذ بداية الدولة السعودية الأولى، والثانية، حتى استرد عبد العزيز دفّة الحكم وأقام دولته الحديثة

 

 

امتدت رقعة الدولة السعودية الأولى إلى كربلاء، وشمالا إلى أطراف سوريا إلى أقصى اتساع لها من حضرموت جنوبا إلى سوريا شمالاً، ومن الخليج شرقاً، وغربا إلى البحر الأحمر

 

لم يأت، الملك عبد العزيز من رؤية لدى الغرب. بل كان الملك يحمل فكرا موازيا ويعمل، كثيرا في صمت باذلا جهودا مضنية كبيرة .. لقد كان مشهودا له بالصلاح، كان عارفا بالله واقفا عند حدوده وسطيّا معتدلا منفتحا ينبذ التزمت والتطرف ويرفض كلّ أشكال التمييز

 

ولم يكن ملكًا طارئًا صنعته الظروف، بل كان ملكا موعودا فلم يترك بعد رحيلة نُكتا سوداء، بل ترك من خلفه الواقع المنظور. قد لا يتأتى إلى الكثيرين فهم حتميّة وجود علاقات تعاونيّة وتكامليّة بين الدول، تقوم على إثرها المعاهدات مثل ذلك يحمل على تفاسير خاطئة.

 

 

جنّد الملك ما يعرف في تلك الحقبة بالإخوان لكن الإخوان كانوا يحملون أهدافا مغايرة لأهداف الملك وقد أبدوا الاحتجاج إثر الاتفاقيات الدوليّة التي أبرمها الملك مع دول الغرب

 

رأي الإخوان الخروج على الملك، لذلك شنّ الملك حربا شرسة مع الإخوان لكن قبل الحديث عن توقيع أيّ معاهدات واتفاقات مع دول الغرب سبقت مشيئة الله قيام حكم جبريّ لا يزال قائما على الإسلام ..

 

؛ فمنذ ذلك الوقت كانت الماسونيّة والصهيونية العالمية تسعى لاحتلال دول العالم لتجد منافسا قويا. عبد العزيز لقد أقام الملك صداقة متحاشية مع دول الغرب مبنيّة على تبادل المنافع واحترام سيادة الدول أصبح الملك حليفا استراتيجيا لدول الغرب

 

 

كان الملك يعلم أين يضع قدمه في منتصف الطريق ويعرف ما يريده هو، لا ما يريده الآخرون وكان يعلم تماما ماذا بوسعه أن يفعل في حين كان يسعى جاهدا تبديد كلّ مخاوف الغرب، إذ كان ما ينشده الملك هو فرض الأمن والاستقرار في بلاده

 

لم توجّه الأنظار لهذه البلاد، إلاّ عند اكتشاف النفط، بيد أنّ الملك استطاع إدارة موارد البلاد قبل تدفّق النفط. كان الملك يملك حدسا قويّا، وشعورا أكيدا، بوجود النفط في المناطق الشرقية من بلاده،وكان يحمل إصرارا عجيبا وملحّا، على بريطانيا للتنقيب عن النفط

 

بعد امتناع بريطانيا مرارا، أعطى الملك للولايات المتحدة حقا كاملا؛ لاستخراج النفط ولم يمنح إيّ حقّ لبريطانيا إنّ الحقيقة لم يكن أحد يجرؤ على مجاراة بريطانيا. لكن الملك كان يملك دهاء وقدرا كافيا من المعرفة والاطلاع، بم يدور في أروقة العالم، ويدرك مطامع دول الغرب.

 

عزّز الملك خلق التوازن البيئي والاجتماعي دونما التوظيف السياسي والاحتراب القبلي والطائفي بين أوساط المجتمع بالوقوف على مسافة واحدة من الجميع والعمل على التقريب بين مختلف المذاهب والأديان مراعيا الملك العوامل الثقافية والجغرافية التي تربط دولته بدول الجوار

 

وعقد الملك مع الشيعة في المناطق الشرقيّة من البلاد اتفاقا ينص على مبايعته مقابل فرض الأمن والاستقرار وضمان حريتهم الدينية في حين أبدى الشيعة أيضا رفضهم الشديد التعامل مع الأتراك والإنجليز الذين كانوا يدفعونهم بشتى الوسائل إلى التحالف معهم عوضا عن مبايعتهم للملك

 

كان عبد العزيز يرى أنّ التمسك بكتاب الله، والسنّة المحمّدية الطاهرة هو النهج القويم، الذي يجب أن يسير عليه أهل هذه البلاد، مغايرا لدول الخليج، والدول العربية، التي سادتها الأنظمة اليسارية بعد حصولها على الاستقلال، في حين أنّ القرى النجدية لم تطْأها أبدا قدم الاستعمار.

 

لقد حدّد الملك عبد العزيز حدودا ثابتة مرسومة لبلاده في العالم الجديد، ورسم سياسة بلاده الخارجيّة وفقا للمعاهدات مع الغرب وبعدم التدخل في شؤون الدول، الذي كان من شأنه أن يعيد مجددا رحى الصراع. في حين تتابع الحكم في مختلف البلاد العربية بالنظم والأحزاب اليسارية على غرار دول الغرب ذلك ما لا يتماشى مع تطبيق الشريعة الإسلاميّة، وما قد يكون حائلًا أمام وحدة العرب. ومالا تجيزه دول الغرب

 

لم يكن يتسنّى للملك عبد العزيز العمل إلاّ بالمتاح الميسور في تلك الحقبة التاريخيّة الهامّة؛ التي كانت اول مفترق للطرق كي يحفظ عبد العزيز كيان هذه البلاد، وانتمائها الأول للعروبة، والإسلام أمام مطامع اليهود التوسعيّة ومدّ الحركة الماسونيّة العالميّة، التي أرست دعائمها في المنطقة العربية، وغزت فكر البعض من القادة العرب

 

ليس عبد العزيز كما يردد افتراء أنّه كان يعمل لصالح بريطانيا؛ بل صحيحا أنّ الملك جعل بريطانيا تعمل لصالحه بعد تفاوضه مع بريطانيا حصّل منها اعترافا خطيّا بحدود دولته، دون أيّ من تلك المزاعم الكاذبة وما ذهبت إليه بذاءات ألسنة الناقمين في عصر شوهت فيه معالم الحقيقة، وبات مسرحًا للتدليس والكذب انتهكت فيه حتى أعراض الأنبياء، واشتهر بحب الوقيعة، ومقدم سوء الظن، من نسج قصص ضاربة في أفق الخيال

 

بل إنّ ما ينفي من تداول تلك الشائعات، مجريات واقعة على الأرض ومكاتبات ناصعة بهذا الشأن مع بريطانيا، قد يظن أن يستفيد البعض من المسيئين عندما يطلقون أصوات منافية كمال الحقيقة، ومشوهة معالم الصورة تعود محفلًا؛ لإطلاق كثيرا من تلك الافتراءات فلم يكن أحد يملي قرارات على الملك، بل كان يملك رؤيته المنفردة.

 

قد تسنى للحاقدين قلبًا لمآثر الملك، التي تتعارض مع البثّ الواسع للشائعات، عندما يكون المجال مطلقا، لتلك الأقاويل. ليس صحيحا أنّ الملك سمح لبريطانيا إعتبار دولة فلسطين وطنا قوميا لليهود بل لقد أولى الملك جلّ اهتمامه بقضية فلسطين، وأبدى للغرب موقفه الثابت والمشروع من فلسطين.

 

جرت هذه الأحداث إبّان فصول الحرب العالمية الأولى، وأثناء حكم الاستعمار، الذي أعاد تشكيل خارطة الدول، إثر إبرام اتفاقات دوليّة وفي حين قيام دول الغرب بوضع أقدام الاحتلال اليهودي الغاشم على أرض فلسطين.

 

لمّا كانت هذه المنطقة بعيدة عن عيون الغرب، كانت تعيش قبل مقدم الملك حالة من الفوضى، والتخلف ومعاناة شديدة مع الفقر. والمرض كانت قبائل البدو تُغير على الأراضي الزراعيّة، وتستولي على محاصيل الفلّاحين، تثير حفائظهم، وكان بعضًا من جنود الأتراك يعتدون ليلًا على المنازل.

 

كانت أطراف الجزيرة العربية الّتي ضمّها الملك تعيش أوضاعًا مزرية للغاية، وتشهد صراعات قبليّة تدور فيها معارك طاحنة، عادة ما تنتهي بالقتل، لذا استبشر الأهالي بالمقدم الميمون للملك بشعورهم بالمنعة،وعلو المكانة في ظل وفود الحكم السعودي المعروف سابقًا كصمام أمان

 

استطاع عبد العزيز؛ مواجهة كثير من الصعاب كي يوحد منطقة شاسعة مترامية الأطراف، تنعم بسيادة كاملة، وقد شاء الله أن تبقى هذه الأرض معقلًا للنور، ومنار للعلم والمعرفة،

 

أضحت سيرة الملك مبهرة وحيّة في وجدان شعبه، ويقظة في ذاكرة العالم  لقد حمل الشعب السعوديّ مباركين خطوات الملك لطيلة مائة عام خلت نوايا طيّبة لكلّ شعوب العالم، متطلّعين دومًا إلى السلام، ومدّ جسور التعاون، بين مختلف الأمم والشعوب،

 

لم تستطع دولة في العصر الحديث أن تحقّق رؤية الملك وتحدد وجهتها الصحيحة ليوحّد عبد العزيز هذا الكيان الشامخ على كلمة التوحيد، لقد حقّق هذا الملك انتصارا خارقا بكلّ الأبعاد والمقاييس في حين لم يكن أحد في ذلك الوقت يملك، دهاء وإصرار ذلك الرجل، وتكامل مزاياه وصفاته الخلقية

 

إنّ فضل الملك على شعبه لا يزال قائما عظيما، مشهودا، وعصيا على الجحود والنكران ولقد قام عبد العزيز بما يمليه الواجب الجسيم، وما كان يترك أمرًا يحسن به القيام. مسارعا لكل خير من شأنه أن يعمّ بالنفع السديد على أبناء هذه البلاد

 

لقد شجع أبنائه على طلب العلم وكان ينتزع الأطفال عنوة من الأهالي؛ ليلحقهم بالمدارس، وكان الأهالي يخبّئون عن الملك أطفالهم. كان الملك يقبل أراء مستشاريه ويطلب المشورة من دول الغرب

 

كان يشعر بمسؤولياته العظيمة، وحجم الأمانة الجسيمة الملقاة على عاتقه في تأسيس كافة الشؤون والمجالات كان يعمل دون كلل على كثير من الجبهات ابتعث الطلاب إلى الخارج لتلقي العلوم في كافة المجالات وقد أنشأ أول المعاهد، والجامعات

 

وكان يرسل للبدو في الصحراء من يعلّمهم علوم القرآن، هكذا بعد توفيق الله بنى الملك عبد العزيز عقول وسواعد الرجال المخلصين لايزال يحتضن دكراه شعبه مواصلين المسيرة، باستلهام رؤى ذلك القائد الهمام. لقد مكّن اللّه لهذا الملك، وأعزّه بنصرة قومه، وسخّر له حتى أعداءه

 

وكانت تلك أيّام تلك أيّامًا صافية تشنف مسمع الذكرى تجول في الخاطر اؤرق بالحنين لم تكون مشوبة بالفتن كأيامنا هذه ولم نكن نشعر في ذلك الحين أننا نعيش في بقية الزمان فقد كانت هناك صلات حقيقية بين الفقراء والأغنياء وبين الوجهاء والبسطاء وبين العلماء الجهلاء وبين الشرفاء والأجنياء كانت أياما تختلف كثيرا عن أيّامنا هذه ..

 

لقد كان الناس في ذلك الزمن الجميل يحصلون على أحلامهم، البسيطة وكان ذلك الزمن يكتنز برؤى حالمة تحمل أملا واعدا زاهرا للغد. لقد كانت تجربة الملك عبد العزيز بكلّ الأبعاد والمقاييس تجربة تاريخيّة فريدة فذّة وعزيزة على نفس العالم. لم يكن يجرؤ في ذلك الوقت أيّ زعيم عربي غير الملك عبد العزيز أن جعل القرآن العظيم دستورا لهذه البلاد