العلماء

 

 

قال صلى الله عليه وسلم : ( إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) حديث صحيح. وقال عليه أفضل الصلاة والسلام : ( يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ) حديث صحيح رواه البيهقي

 

ذلك أنّ على رأس كلّ مائة عام يزيد افتراق وركود هذه الأمة فيجدد الله لها دينها فتعود كل مرة إلى مسلك الصواب ذلك لأنّ المسلمون في شتى الأقطار يأخذون جملة بقول علماؤهم دون سائر علماء المسلمين وما يردوا شيئا من قولهم حتى لو دسّ عليهم وأنكروه : نكاية بينهم ونصرة لأنفسهم فعندئذ تملء قلوبهم بالضغائن والعداوات فيتنابزون بالألقاب ويتراشقون بالسباب وينعتون أنفسهم بالزندقة والكفر

 

وما المراد بالتجديد إلاّ البيان مما يطرأ جديدا من مسائل العصر ردّا للشبهات وتقريبا للمسافات وبغية لاجتماع كلمة المسلمين وتوحد صفوفهم والتحامهم وردّ عنهم كيد المعتدين وكفّ عنهم ألسنة الناقمين  ..

 

فأنى لهم بذلك أن يناصحوا ويتواصوا بالصبر وتواصوا بالحقّ بل يمرج عليهم دينهم بما يوقع بينهم أعداء الله مؤدّين بهم إلى قعر من الهلاك وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( ليس المؤمن بطعّان ولا لعّان ولا فاحش ولا بذيء ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( المسلم من سلم الناس من لسانه ويده )

 

ولقد نهي النبيّ صلى الله عليه وسلم عن تكفير المسلم أخيه المسلم مهما بدى له ظاهرا من علامات الكفر وقد أغلظ النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك إذ قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر ،فقد باء بها أحدهما ) فلا يكفر الناس بجهلهم وبما لم يتبيّن لهم

 

لقد قال الله تعالى تفضيلا للعلماء من خشيته: ( إنّما يخشى الله من عباده العلماء ) فاطر من الآية 29 وقال الرسول الكريم ( إنّ العلماء ورثة الأنبياء، إذا لم يتبعوا الدنيا ) وقال صلّ الله عليه وسلم : ( العلماء أمناء على الرسل مالم يخالطوا السلطان )

 

لكن العلماء يرثون العلم ولا يرثون النبوة وما يكون من تدارسهم إلاّ ما يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب فما قول يأخذ ولا يردّ إلأّ قول النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد قال ( إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزِعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جُهّالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا )

 

إنّ العلماء المعرفون ليسوا أعلم من في الأرض بل قال صلى الله عليه وسلم : ( أنّ الله إذا أحبّ عبده فقهه في الدين ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) وجاء في الحديث : إذا أحبّ الله عبده ألهمه الصدق )

 

وقال صلى الله عليه وسلم (نضّر الله أمرؤ سمع منّا شيئا فبلغه كما سمع فربّ مبلغ أوعى من سامع ) وقال صلى الله عليه وسلم ( فربّ حامل فقه لمن هو أفقه منه وربّ حامل فقه ليس بفقيه ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( نضّر الله أمرؤ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها ) وقال صلى الله عليه وسلم ( وبلغوا عني ولو آية ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم )

 

إنّ السابقين من العلماء رحم لهم باق أثرهم وجزيل فضلهم إلاّ ما نقل على ألسنتهم من الكذب والبهتان ممن بنقلون الكلم عن موضعه ويحرفون ما أنزل الله ويكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله وقد حذرهم من ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : ( من كذب عليّ متعمدا فليتبوء مقعده من النار )

 

ولو  كانوا بيننا لعدلوا عن كثير وتذكروا أسباب ما وقع فيه علانيّة الناس من الفحش والتفاحش وعموم الفساد في زمن استحلت فيه الكبائر المعاصي والذنوب مما أخبره وحذر منه صلى الله عليه وسلم مخافة وقوع فيه المسلمين  إنّ من الشأن الجليل للعلماء وما يقع على عاتقهم اليوم من أولياء المسلمين ألا يكتمون الحق فيبصرون العباد  ويهرعون نجدة لأنفسهم للصلح بين المسلمين والذود عن مصير هذه الأمة

 

لقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( ويل لأمتي من علماء السوء يتخذون هذا العلم تجارة يبيعونها من أمراء زمانهم ربحا لأنفسهم لا أربح الله تجارتهم )

 

وقال صلى الله عليه وسلم : ( العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان ويداخلوا الدنيا فإن خالطوا السلطان وداخلوا الدنيا فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم ) وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( أخوفني عليكم أئمة مضللين )

 

إنّ من علماء السوء من يشترون بكتاب الله ثمنا قليلا فيكتمون الحقّ وهم يعلمون إذ قال الله تعالى ( إنّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) البقرة 174

 

وقال الله تعالى : ( إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم )

 

 

ولقد قال صلى الله عليه وسلم : ( سيأتي على الناس زمان يقعدون في المساجد حلقا حلقا انما نهمتهم الدنيا فلا تجالسوهم فإنه ليس لله فيهم حاجة ) وقال عليه أفضل الصلاة والسلام : ( سيكون في آخر أمتي أقوام يزخرفون مساجدهم ويخربون قلوبهم يتقي أحدهم على ثوبه ما لا يتقي على دينه لا يبالي أحدهم إذا سلمت له دنياه ما كان من أمر دينه )

 

فإنّ من العلماء من يطلي الأخبار ويختلق الأعذار فلا يعتدّ بهم مالم يعاود النظر في كتاب الله وهدي نبيّه صلى الله عليه وسلم ولقد قال صلى الله عليه وسلم : ( تعلموا ما شئتم فإن الله تعالى لن ينفعكم به حتى تعملوا ) وقال عليه أفضل الصلاة والتسليم : ( من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في سخط الله حتى يكف أو يعمل بما قال أو دعا إليه )

 

قال الله تعالى ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) فمن كان يعلم فقد يكفيه وما المؤمن إلاّمدركا عاقلا مشرأبا لهذا الدين مطمئنا به وقد قال في هذا صلى الله عليه وسلم : ( استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك ) وقال صلى الله عليه وسلم : (  الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس ) ..

 

وقد قال الله تعالى ( وقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) كما قال عز وجل : ( وإنه لتنزيل ربّ العالمين* نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين *بلسان عربيّ مبين * وإنه لفي زبر الأولين ) الشعراء 196 وقال الله تعالى : ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا عربيا لعلكم تعلقون ) يوسف 2

 

وما كان أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته المنتجبين إلاّ عالمين مطمأنين بقلوبهم ومصدقين بعقولهم مستنيرة بصائرهم و ملائمة أفهامهم وما كانت حاجتهم لغيرقول رسول الله ما لا يكون مخالفا قادحا مراوغا يحقر به هذا الدين

 

فما يخشى الله من عباده العلماء مالم يكون علمهم مقدما نافعا علمهم لا يطووه على الكتمان أو يفتوه للسلطان دونما الخوف والإتقاء من الله وقد قال الرسول الكريم : ( إنّ الله يعافي الأميين يوم القيامة مالايعافي العلماء )

 

إنمّا أتمّ الله على عباده نعمة الإسلام وما ترك رسول هذه الأمة الأولين والآخرين إلاّ على البيضاء لا يزوغ عنها إلاّ هالك وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر )

 

إن تعطل معالم هذا الدين ليشاء أن يظهره الله على الدين كله إذ قال الله تعالى : ( وهو الذي أرسل رسوله بدين الهدى والحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون ) ولقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ( إنّ هذا الدين عزيزا باقيا حتى يوم القيامة) يقوم بعلماء صالحين خالصا لله علمهم وعملهم

 

وما هذا القرآن إلا يهدي للتي هي أقوم وإنّ من العلم ما يهدي إلى البرّ وما العلم إلاّ يدمغ بالعمل فما ينبذ من نبوغ العلماء إلاّ خوفا على أنفسهم من النار إننا إذ نحارب البدع والضلالات فما بدعة وأشدّ كما الفتنة التي هي أشدّ من القتل أن تنتهك حدود الله وتعطل أحكامه فلا يستقيم إن تؤخر فيه الأحكام وما صلاح الدين والدينا إلاّ بصلاح العمل

 

إننا قد ننفرد بعصر مستثنى عن باقي الأزمنة والعصور طبع على النكران والجحود منذ قديم نصبت له الحبائل وفتلت له الحبائل ونصبت له الشراك حتى ظهرت في زمننا بواتق من الحمم والشرور كفى الله أن جعل نوره يسعى في الأرض وان جعل دينه عزيزا باقيا حتى قيام الساعة  فإنمّا الله ختم الأنبياء والرسل وأتى علمه من يشاء من عباده وأولياءه الصالحين

 

وليس بعد ثلة من الأولين إلاّ قليل من الآخرين المتوسلين بالطاعات لا يخشون في الله لومة لائم ولا يكتمون الحقّ وهم يعلمون وقد قال صلى الله عليه وسلم : (  لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك )

 

 

 

error: Content is protected !!