الخروج على الحاكم

 

 

ليس من رأي حكيم، في الإسلام يجيز الخروج على الحاكم بل نُهى عنه في أعقد الأحوال، وأنكأ الظروف لتعريض للقتل، وهتك للأعراض، وشيوع للفوضى وإعمال للسلب والنهب، وتعطل تام لقنوات مجرى الحياة.

 

وليس في الخروج على وليّ الأمر إلاّ ما يزيد وهناً على وهنٍ، ويعود فيه الحال أسوأ مما كان وقد روي عن أنس بن مالك أنه سمع النبيّ صلى الله عليه و سلم، يقول: ( لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شرّ منه حتى تلقوا ربكم )

 

وأخرج مسلم عن حذيفة بن اليمان قلت يا رسول الله إنا كنّا بشرّ فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شرّ؟ قال نعم قلت هل وراء ذلك الشر خير ؟ قال نعم قلت فهل وراء ذلك الخير شرّ قال نعم قلت كيف ؟  قَالَ: ( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس .

 

قال : قلت : كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال : ( تسمع وتطيع للأمير وإن ضُرب ظهرك وأُُخذ مالُك فاسمع وأطع ) رواه مسلم وفي رواية قال : ( أطع سلطانك وإن جلد ظهرك وانتهب مالك ) 

 

وما يبلغ من ولي الأمر من المغايرة، تقديم لحفظ هذا الدين فمبالغة أن يسمعوا، ويطيعوا، وإن جلد الوالي ظهورهم، وسلبهم أموالهم، ففيه قبلا امتثال لحكم الله، ورسوله وفي أصل الطاعة قال صلى الله عليه وسلم : ( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره مالم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) 

 

وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما الطاعة في المعروف ) وقال : (لا طاعة لمخلُوقٍ في معصيةِ الخالق ) صحيح ، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه. وجاء عن عبادة بن الصامت،أن قال : بَايَعَنَا الرسول صلى الله عليه وسلم على السّمع والطّاعة في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله،قال:  ( إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ). رواه البخاري.

 

إنّ منزلة ولي الأمر في القلوب المؤمنة الوجلة منزلة تراحمية عظيمة، فيما اختاره الناس، وأولوه أمرهم فإذا كان وليّ الأمر عادلا، فازوا به فوزا عظيما، وإن كان دون ذلك فقد أوجب الله طاعته، ولجم الخروج عليه؛ لدرأ مفاسدٍ، وفتنٍ عظيمة.

 

لم ينه الله ورسوله عن الخروج على ولي الأمر إلاّ لتوافر قدر من المشاقّ، التي يمتحن الله بها عباده، والأصل أنّ يرعى ولي الأمر شؤون الناس،ويقضي حوائجهم، ويسهر على أمنهم، ويعدل فيهم، ما أقام فيهم الصلاة، 

 

وقد أفصل اللّه الحكيم  من تكون له الإمرة، وتجب له الطاعة، والانقياد فكلّ من عند الله له مشيئة، وتمكين لملك شأنه أن يكون ما شاء الله له أن يكون، ويرفعه الله متى شاء أن يرفعه، فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 

( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها الله إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، ) ثم سكت

 

وعن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ) وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الرؤيا والميزان قال : ( خلافة نبوة ثلاثون عاما ثم يؤتي الله تبارك وتعالى الملك من يشاء )

 

,ما تشير إليه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج على الحاكم .. وجوب طاعة الحاكم دونما الخروج عليه فعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت قال رسول الله : ( ستكون عليكم أئمة ، تعرفون منهم وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره بقلبه فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقيل يا رسول الله أفلا نقتلهم ؟ قال : ( لا ، ما صلّوا  ) رواه مسلم.

 

وما ذكّر به الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم، بما يقع فيه الناس وقد دلت به أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم دونما، التأويل الخادم، بل وجب طاعته صلى الله عليه وسلم فيما أمر به وفيما نهى عنه دونما، تكذيب أمر الله ورسوله بل ينبغي الامتثال والانصياع لأمره تعالى، فيما يجب فيه الصبر والاحتمال.

 

إنّ المسلمين ليأخذوا بكتاب اللّه، وهدي نبيه صلى اللّه عليه وسلم، لقول الله تعالى : ( وما أتاكم الرسول فخُذوه وما نهاكم عنه فانتهوا )الحشر: 7، و قال : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم * قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإنّ الله لا يحب الكافرين )  آل عمران : 31-32

 

وماّ حذر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم يكون في زمن الاختلاف، وليعقل الناس أنّ الحكم فيه يكون جبريا، ممكنّا من عند اللّه عزّ وجلّ . فلقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إنكم سترون بعدي أثرة وأمور تنكرونها ) قالوا فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال ( أدّوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم )

 

وما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصي الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني ) 

 

فعلى المسلمين باختلاف مذاهبهم أن يلتحموا لحمة الجسد الواحد، مجتمعين على من أولوه أمرهم، عاملين بوصايا نبيهم صلى الله عليه وسلم فإذا ما رأى المسلمون كفرا بواحا فما قدروا عليه فكفى أن علمه الله منهم إن أنكروا بقلوبهم وما أشد من الكفر البواح، إلا الفتنة التي هي أشد من القتل، فأحسن منه للناس صبرا، واحتسابا يجزل لهم فيه الأجر والثواب

 

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( كما تكونوا يولى عليكم )، وهو حديث ضعيف، لكن وافقه قول اللّه تعالى ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ) الأنعام ا: 129 وقال الحاكم عبد الملك بن مروان : “ما أنصفتمونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر، و عمر، ولا تسيرون فينا، ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر، وعمر أنصفونا، وندعو الله أن يعين كلاً على كلٍ “.

 

وقد أورد ابن القيم في الجواب الكافي الحديث القدسي:( قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم ) 

 

إنّ التمرد والانشقاق قد تزايد وألقى بثقله في هذا العصر، وقد حذرّ منه الرسول صلى الله عليه وسلم لما فيه من سفك للدماء وهتك للأعراض وشيوع للفوضى وإعمال للسلب والنهب وتعطل تام لقنوات مجرى الحياة

 

 

أضف رأيك من هنا