الجهاد الحقّ

يعلم منّا الله الصادقين والصابرين على الضرّاء والبأس والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والمستغفرين ربهم بالأسحار والمجاهدين بأنفسهم وأموالهم أنّ لهم جنّات عرضها عرض السماء والأرض خالدين فيها أبدا

 

لن يصدق أمر في الإسلام بغير الدعوة إلى اللّه، والنفرة في سبيله لكن لا يبايع على الجهاد مالم يبايع قبلا على الإسلام فقد روى البخاري وغيره عن مشاجع قال : ( أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم أنا وأخي فقلت : بايعني على الهجرة فقال: مضت الهجرة لأهلها .

 

قلت علام تبايعنا ؟ قال: على الإسلام والجهاد ). وقال صلى الله عليه وسلم: ( لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا ) : وقال صلى الله عليه وسلم (لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجُ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( الجهاد في أمتي إلى يوم القيامة)

 

قال الله تعالى : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ) وقال (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون )

 

وقال تعالى : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) 8 وقال تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين )

 

لكن الجهاد ينتفي برهة بحلول زمن الإختلاف وآخر الزمان وعند عودة الإسلام غريبا كما بدأ غريبا وعند تداعي الأمم على أمة الإسلام أو وقت خروج الدجال

 

فلقد قال صلى الله عليه وسلم : ( يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ) فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟! قال: ( بَلْ أَنتُمْ يَومَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ المَهَابَةَ مِنكُمْ، وَلَيَقذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ). فقال قائل: يا رسول الله! وما الوَهَن؟ قال: ( حُبُّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوتِ )

 

وقال صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا ، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا ،الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ ، والْقَائِمِ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا بِسُيُوفِكُمُ الْحِجَارَةَ ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ بَيْتُهُ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ )

 

وخير ابني آدم ما جاء في قول اللّه تعالى : ( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ* إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) المائدة:28-

 

وجاء في حديث حذيفة ابن اليمان مع النبي صلى الله عليه وسلم : (قلتُ : فما تأمُرُني إن أدرَكني ذلك ؟ قال : ( تَلزَمُ جماعةَ المسلمينَ وإمامَهم). قلتُ : فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ ؟ قال : ( فاعتَزِلْ تلك الفِرَقَ كلَّها، ولو أن تَعَضَّ بأصلِ شجرة حتى يدركك الموت و أنت كذلك . وقال صلى الله عليه وسلم : ( تكون فـتـنٌ على أبوابها دعـاةٌ إلى الـنار فأن تمت و أنت عاضٍ على جذعِ شجرةٍ خير لك من أن تتّبع أحداً منهم)

 

وقال صلى الله عليه وسلم : (حتى يصيرَ الناس إلى فسطاطين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاطُ نفاق لا إيمان فيه فإذا كان ذلكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( سيَخرجُ أُناسٌ من أمَّتي من قِبَلِ المشرِقِ يَقرؤونَ القرآنَ لا يُجاوزُ تراقيَهُم كلَّما خرجَ منهم قرنٌ قُطِعَ حتَّى يخرُجَ الدَّجَّالُ في بقيَّتِهِم ) وفي لفظ ( يخرج في عراضهم الدجال

 

وقال صلى الله عليه وسلم (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء ) وفي واية : قيل: ( يا رسول الله، من الغرباء؟ قال: الذي يصلحون إذا فسد الناس ) وفي لفظ قال : ( الذين يحيون سنتي من بعدي ويعلمونها عباد الله )

 

ما طرأ مغايرا في هذا العصر بدعوات للجهاد في بلاد المسلمين هو دون أدنى شكّ مخالف لواقع المسلمين مجبول على المروق، والعصيان فما يكون الجهاد المزعوم في ذلك العصر إلاّ جهادا ضالا في سبيل الشيطان

 

كما إنّ للجهاد واجبات ومبطلات كسائر الطاعات، كأن لا تجوز الصلاة قبل دخول الوقت، أو دون إمام يؤمّ المصلين، كما لا يجوز الصيام، دون نيّة الصيام، ولا الحج دونما الإحرام فلا يأذن بالجهاد دون وجود خليفة واحد يجتمع عليه المسلمون ينفر للجهاد وقد قال صلى الله عليه وسلم ( إذا استنفرتم فانفروا )

 

وما يكون الجهاد قتالا بين المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ألا لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكمْ رِقَابَ بَعْضٍ )  وقوله صلى الله عليه وسلم في الفتن : ( يا وائل، إذا اختلف سيفان في الإسلام؛ فاعتزلهما )  وقوله صلى الله عليه وسلم ( إذا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النَّارِ، فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ هذا الْقَاتِلُ فما بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قال: إنه كان حَرِيصًا على قَتْلِ صَاحِبِه ). فلا ينتصر بالجهاد إن يقتل من قال لا إله إلا الله أو يجهز على جريح، أو يهان أسير، أو يتبع  المدبر ويقتل أعزل

 

ولا يجوز في الجهاد هدم الدور والمساكن، وما يكون الجهاد في المدن المكتظة بالساكنين ولا يجوز فيه إقتلاع المزروعات، وإتلاف الثمار، وتلويث الآبار فتنفق حتى الأسماك في البحر ولا يقتل شيخ ولا طفل ولا امرأه و يقطع شجر ، ولا  ينكث عهد وميثاق، ولا تنقض هدنة حرب

 

عندما جعل الله القتال في دينه الإسلام جهادا خالصا وناشرا في سبيل إعلاء كلمته ونصرة دينه في بلاد المسلمين بل الجهاد  في هذا العصر ما يكون إلاّ نيّة في قلب كل مؤمن ومسلم خالصا دينه كارها ومنكرا بقلبه..

 

ولن يتحول الجهاد في سبيل الله إلى نزاع أبديّ على الثروات، أو تغالبا على دفة الحكم وتحقيق مآرب باسم الجهاد ولا يكون بتبادل الأحقاد، والانتقام من حوادث الزمان، فلا يكون إلاّ بقتال المعتدين على بلاد المسلمين

 

لا يقوم بانتهاك حدود اللّه، وقتل الأبرياء، وترويع الآمنين فليس ذلك جهادًا في سبيل الله، بل يجب مقاومته والإمساك عنه، وما يكون جهاد المسلم في هذا العصر إلاّ جهاد في النفس بهجر الكبائر وترك المعاصي، والذنوب وقبض عليه دينه كالقابض على الجمر

 

فما يصرف الناس عن قلوبهم الرحيمة، وسجالهم خصالهم الحميدة، وعقيدتهم ويغرب عنهم دينهم، ويحجب رسالتهم العظيمة غير إتباعهم للملذات والشهوات، واستحلالهم الكبائر وانجرارهم خلف ماسونية هذا العصر !

 

وما سلط الله على المسلمين إلاّ عدوا من أنفسهم؟ فيهلك بعضهم بعض ويسبي بعضهم بعض وما يهلكهم بسنة عامة ذلك قوله صلى الله عليه وسلم- : وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامّة وألا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبح بيضتهم وإنّ ربي قال : (يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَلَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا من سوى أنفسهم فيستبح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَبَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضا.

 

وقد  أخبر الرسول – صلى الله عليه وسلم- ما يكون في آخر الزمان، فما بال المسلمين لا ينبذوا بينهم الخلاف والفرقة ويدعوا بينهم إلى الوئام، ويهرعوا إلى الوفاق والصلح، فيدخلوا في السلم كافة فينصر الله من هو أهل لنصرته