القرين

 

لكأنما نتحدث في أنفسنا مع كائن آخر قد نقبل منه أو لا نقبل القول والفعل ذلك هو قرين الإنسان الذي يقبع في نفسه الأمّارة ..

 

القرين في اللغة وهو المقارن والصاحب لك ،أي مصاحبة أو اقتران شيء بآخر هذا المعنى قد يكون موجودا حرفيّا في كلّ لغات العالم لكن كلمة القرين عند المسلمين اصطلاحا يعني الشيطان المقرون بالإنسان فلا يفارقه أبدا .

 

إنّه بفضل تعدد المفردات وتنوع الاشتقاقات والمصادر ووجود كثير من الاصطلاحات والدلالات في لغة العرب ما قد يجعلهاّ مصدرا موثوقا قادرا على سبر أغوار كل شيء فعند وضع المفردة الدقيقة في مكانها الأوحد الصحيح من الإعراب مايكون له أثر بالغ في تسلسل الأفكار والمضيّ بها قدما للإكتشاف

 

إنّ العرببية لغة مبهرة  غنيّة وجزلة في التعبير قد تعيد مجددا حضارة المسلمين التي أنارت يوما الطريق أمام العالم لقد امتدح الله لغة العرب التي أنزل بها القرآن فلقد قال تعالى : ( إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعلقون ) يوسف

 

قال الله تعالى عن أنفسنا في سورة الشمس: ( ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها ) قد تفيدنا هذه الآية انّ الإنسان لن يكون ملاكا صرفا ولا شيطانا صرفا بل يقترن بنفس، واحدة يغلب عليها أن تكون نفسا تقيّة، أو يغلب عليها أن تكون نفسا فاجرة. أي نفسا مؤمنة ونفسا كافرة

 

قال الله تعالى في سورة التغابن : ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير ) ما تعنيه هذه الآية أنّ الإنسان يولد على الإسلام بالفطرة لكن تحديد ذلك هو ما يعود لنوع العمل لقوله تعالى في نفس هذه الآية ( والله بما تعملون بصير )

 

قال الله تعالى في سورة الحج : ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة ) يجدر أن نتوقف قليلا عند قوله تعالى  : ( فانّا خلقناكم ) أي هذا ما يكون في تمام الخلق كخلق قابل ومعدّ للحياة فقال تعالى : ( مضغة مخلقّة ) أي على السلوك القويم على الفطرة

 

وقال ( وغير مخلقّة ) لا تعني موت الجنين قبل الحياة بل مضغة قابلة للحياة أيضا لكنها غير مخلقة ومسئولة من الإنسان أن يخلّقها بإكتساب لها المزايا والصفات-الحميدة  قد نفهم من هذا أنّ قر ين الإنسان لم يتخلق بالسلوك السوي وبالصفات على الفطرة سنتعرف على ذلك فيما نستطرده لاحقا في هذا البحث

 

لقد جاء في القرآن الآية 179 من سورة الأعراف قول الله تعالى : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) ما تشير إليه هذه الآية الكريمة أنّ الجنّ سيذرؤن في جهنم مع الإنس كما أنّ للجن كما للإنس قلوب وأعين وآذان وإنّ الجنّ يكونون مع الإنس جميعا كالأنعام بل هم أضلّ وإنهم جميعا غافلون ..

 

إنّ القرين كائن مخلوق من الجنّ فتعريفنا لمعنى الجنّ لغة وبمفهوم أوليّ يوجد في كلّ لغات العالم أنّه يعني الأشياء الخفية المتوارية والمحجوبة عن النظر .. لكن قد يحار الإنسان بين نفسه وبين قرينه لكن عندما لم يترك الإنسان سدى ولم يترك حائرا بل قال الله تعالى : ( إمّا يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) وقال الله تعالى : ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى )

 

إنه حالما يقدم الإنسان على ارتكاب جرم  تنتابه لحظات من الضعف أومن اليأس أو لحظات من التشضي والغضب يتقمّصه القرين يطمس بصره ويعمى بصيرته ويفقده كليّة التمييز والإدراك

 

ليس من عمل القرين بما جاء في سرد من الآيات غير أنه يوقع الإنسان في الكفر بإتباعه الشبهات وتزينه المحرمات ونهيه عن الصلوات وصده عن السبيل .. كما جاء في الآية 37 من سورة الزخرف قول الله تعالى ( وَإِنَّهم ليصدُونهم عن السبيل ويَحسبون أَنّهم مهتدونَ ) ولقوله تعالى في الآية 30 من سورة الأعراف ( إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون )

 

وقد قال الله تعالى في سورة العلق ( أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * أرأيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بانّ الله يرى ) هنا في هذه الآيات يبين الله للإنسان عمل القرين وذلك هو القرين الذي ينهى الإنسان عن الصلوات

 

وقال الله تعالى في نفس السورة الآية 15 -16 مخاطبا الإنسان ( كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة ) إنها ناصية الإنسان عندما يقوده القرين وقال ( فليدع ناديه ) أي يدعو الإنسان قرينه الذي كان يناديه إلى الكفر وقال ( سندعو الزبانية ) أي  زبانية العذاب وقال ( كلا لا تطعه واسجد واقترب ) أي يحذر الله الإنسان بألاّ يطيع قرينه الذي يدعوه إلى التمرد والعصيان ..

 

قال الله تعالى في سورة القلم من الآية 10 حتى الآية 16محذرا ومخاطبا الإنسان : ( ولا تطع كلّ حلاف مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتلّ بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * سنسمه على الخرطوم ) إنّه ماجاءت في القرآن صفة ذميمة في الإنسان إلاّ وكانت من صفات للقرين فالله قد كرم الإنسان فلقد قال تعالى في سورة الإسراء ( ولقد كرمنا بني أدم وحملنه في البر والبحر ورزقناه من الطيبات وفضلناه على كثير مما خلقنا تفضيلا )

 

إنّه بسبب تعلق الإنسان بزينة الحياة وشهواتها وملذاتها المحرمة فإنّ قرين الإنسان يدعوه إلى الكفر والإلحاد ويجعل له مع الله إلها آخر ويحجبه عن الإيمان والتصديق بوجود حياة آخرة بعد الموت فيرتاب الإنسان لقول الله تعالى : ( قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول * أئنك لمن المصدقين * أئذا متنا وكنّا ترابا وعظاما أننا لمدينون } الصافات 53

 

إما أن ينقاد الإنسان بكليّتة إلى القرين إلاّ ويغني عن الله لقول الله تعالى في سورة العلق الآية 7- 8 : ( كلا إنّ الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ) أي يرى الإنسان نفسه بعين قرينه أنّه استغنى عن ربّه بكثرة الأموال أو بالعلم والجاه والسلطان لكن القرين يتخلى يوما عن الإنسان فيقول أنّه لم يطغي الإنسان كما جاء في الآية 27 سورة ق ( ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد)

 

قال الله تعالى في الآية 28 التي تليها في نفس السورة مخاطبا الإنسان والقرين معا : ( قال لا تختصموا لديّ وقد قدمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول لديّ وما أنا بظلام للعبيد ) ق 29 أي أنّ الله كان يعلمهما وقد قدم إليهما بالتحذير بأشدّ ألوان العذاب وبيّن لهما أنه لم يظلمهما وليس من صفته الظلم

 

وقد جاء في الآية 49 من سورة النساء قول الله تعالى ( ولا يظلمون فتيلا ) وفي الآية 118 من سورة النحل قال الله تعالى : ( وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) وجاء قوله تعالى في الآية من سورة ق ( وما ربك بظلام للعبيد)

 

قال الله تعالى في الآية 23 من سورة ق (وقال قرينه هذا ما لدي عتيد *) إنّ للإنسان قرين من الملائكة وقرين من الجنّ في هذه الآية يتحدث قرين الإنسان من الملائكة فيقول هذا ما لديّ محضر وفي الآية 24 – 26 من سورة ق يقول الله تعالى ( ألقيا في جهنم كل كفار عنيد * منّاع للخير معتد مريب * الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد ) 26 – 28

 

فيطّلع الإنسان فيرى قرينه, الذي كان يدعوه للكفر في سواء الجحيم لقول الله تعالى الآية 57 سورة الصافات : ( قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرآه في سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ) أي عندما رأى الإنسان نفسه في النار

 

وعد المتقين فقال الله تعالى من الآية 31-36 في سورة ق : ( وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد * هذا ما توعدون لكلّ أوابّ حفيظ * من خشي الرحمن بالغيب * وجاء بقلب منيب * ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود * لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد ) وقال الله تعالى ( إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) من الآية 3 سورة الزمر أي أنّ القرين يكذب ويكفر بالإنسان

 

إنّ القرين لا يدع الإنسان مالم يشذّه عن الأخلاق ويشبعه الرغبات ويشركه معه في معصية الله مالم يطوع الإنسان قرينه ويستعين عليه بالصبر والصلاة لقول الله تعالى في الآية 45 من سورة البقرة ( واستعينوا بالصبر وبالصلاة وإنها لكبيرة إلاّ على الخاشعين ) ولقول الله تعالى : في الآيات 19 – 23 من سورة المعارج (إنّ الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دائمون )

 

إنّ ما أن يعرض الإنسان عن ذكر ربّه إلاّ ويغدو شيطانا رجيما في جثمان إنس لقول الله تعالى : (ومن يَعشُ عن ذكر الرحمن نُقيض له شيطانا فهو له قرين ) الزخرف لقد قال الله تعالى ( ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ) النساء 38 أي إذا ما اقترن الإنسان بالشيطان فإنه يأتي بأفعال الشيطان وقد يتحول إلى شيطان من شياطين الإنس أو شيطانا من شياطين الجن ما يعني أنّ الجنّ صالحون وقد يمتلكون المهارة  لقول الله تعالى ( وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون ) سورة الذاريات

 

إنّ الإنسان يملك نفس الإرادة التي يملكها القرين وهو مستقل بذاته عن القرين كما أنّ القرين مستقل بذاته أيضا عن الإنسان ولا بدّ لأحدهما أن يتبع الآخر .. ولقد توعدهما الله معا بالعذاب

 

قال الله تعالى الآية 128 في سورة الأنعام ( ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم )

 

قال الله تعالى مخاطبا الجن ( يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس) أي أكثرتم من شياطينهم وقال الله تعالى ( وقال أولياؤهم من الإنس ) أي من شياطين الإنس وقال الله تعالى ( استمتع بعضنا ببعض ) أي وقوعوا مشتركين في الشهوات والملذات وقال الله تعالى إلاّ ( ما شاء الله ) ذلك ما يختص به الله من منتهى علمه وبالغ حكمته وتمام مشيئته فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وهو الذي لا يسأل عمّ يفعل وهم يسألون كما ورد في الآية 23من سورة الأنبياء قول الله تعالى ( لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون )

 

أنّ الله يدخل من يشاء من عباده جنته دونما حساب ودونما عذاب ويغفر لمن سبقت لهم منه الحسنى .. كما قال الله تعالى في الآية 101من سورة الأنبياء : (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون .. ) سورة المؤمنون

 

إنّ القرين في جميع الأحوال لن يكون مؤمنا  بل إنّ على الإنسان أن يطوّع قرينه كي يسلم من أذاه وكفره ولقد أراد الله بهذا أن يمّحص الإنسان فقد قال صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن.) أي أنّ الإنسان عندما يفعل هذه الأفعال المحرمة يخرج من صفة الإيمان وإذا رجع عن ذلك مبديا الندم عاد إليه الإيمان ..

 

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة فقيل يا رسول الله ( وإن زنا وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق ) كما إنّ الله يغفر الذنوب جميعا فكذا قال تعالى في سورة الزمر الآية 53 : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعا إنّه هو الغفور الرحيم )

 

وقال الله تعالى في سورة الحجر الآية 50 : ( نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) بل إنّ الله يبدل السيئات إلى حسنات لقوله تعالى في سورة الفرقان : ( إلاّ من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) إنّ هذا يعني أنّ الله سيدخل التائبين بالرغم من سيئاتهم جنات عرضها السموات والأرض وينجيهم من عذاب أليم

 

إنّ القرين أيضا يدعو الإنسان إلى الفجور لقول الله تعالى في سورة القيامة الآية 5 والآية 6 : ( بل يريد الإنسان ليفجر أمامه * يسأل أيّان يوم القيامة ) كما يدعو القرين الإنسان إلى ظلم نفسه لقول الله تعالى في سورة إبراهيم من الآية 34 ( إنّ الإنسان لظلوم كفار )

 

قد يوهم القرين الإنسان أنّه مسيطر عليه تماما وإنّ لا ثمّة طريق أمامه للتوبة لكن على الإنسان أن لا ينصاع ويستسلم لذلك بل ليعلم الإنسان أنه المسيطر على نفسه مهما أتى من الكبائر والذنوب لقد جاء في الآية 31 من سورة النور قول الله تعالى : ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) وقال الله تعالى في الآية 222 من سورة البقرة : ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين )

 

ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم غيركم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ) إنّ الله لم يحبهم لأنهم يخطئون بل يحبهم لأنهم يتوبوا