تحدّي العصر

 

إذ إننا نشيد بديننا الإسلام لكننا أشد ما نكون في غربة عن الإسلام لقد عاش المسلمون ميلا مع كلّ عصر حتّى اقترفت الكبائر، واستُحلّت المحرمات وانتُهكت الحدود فعاد بنا الإسلام غير محقًا للنوال جالبًا الظّفر  بل مولدا للكراهية، ناشرا بيننا العداوة والبغضاء صانعا بيننا الجفاء ومحيلا بنا للنفور

 

لم يعد الإسلام دينٌا حضاريٌّ، عزيزٌ ورحيبٌ على النفس وأساس كلّ العلوم، تدين له مجمل الحضارات ولم يعد دين الإحسان ودين المساواة والعدل والصفح والعفو والتسامح وإيتاء ذو القربى، والبرّ بالوالدين وإطعام المسكين وقضاء الدين عن المدينين ..

 

ونجدة المنكوب والتفريج عن المكروب وإغاثة الملهوف وإجارة الخائف وإقالة العاثر والذب عن المظلوم وبذل المال على حبّه للسّائل والمحروم، لم يعد دين المرحمة والمسرّة، ودين النّصيحة، ودين العفاف، والطّهر، والأباء والمنعة والعزة والرّفعة والمرؤة والسؤدد والكرامة.

 

ما بعث محمد إلا رحمة للعالمين داع أهل الكتاب،أن يعبدوا اللّه، وحده لا يشركوا به شيئًا. ولا يتّخذوا من دونه إلهًا آخر لما يليق بجلاله من توحيده والاجتماع على كلمته وتحاب خلقه فيه واعتصامهم بحبله جميعا فلا يفرقوا بين رسله فتتقطع بهم السبل إنما الله غالب على أمره بالغا مقاصده في أن يؤلّف بين قلوب عباده، مما أنزل إليهم من الحق مسطرا في صحائفه وكتبه جميعا على لسان رسله وأنبياءه

 

قال الله تعالى : ( و ما أرسلنا من رسول إلّا بلسان قومه ليبيّن لهم فيُضلّ الله من يشاء و يهدي من يشاء و هو العزيز الحكيم ) إبراهيم 4. فما كان المراد من تفاوت وتعاقب الرسل إلا امتحانا لعباده، أن يختلفوا فيه بعدما جاءهم من الحق فلا يفرقوا بين أنبيائه ورسله حتى يهدوا إليه جميعا إليه فلا ينشغلون عنه العداوات وينقادوا إليه بالطاعات متجاورين ومتحابّين فيه، فيعلموا دّينه الحقّ ذلك الدّين القيّم دين نوح، وابراهيم وقد جعل في ذريّتهما النبوة والكتاب  ..

 

كما قال عزّ وجلّ ؛ ( ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون * ثم قفينا على أثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حقّ رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ) الحديد 26 – 27

 

إنّ من معاني الإسلام أنّه ضدّ العدوان والقتل وقد جاء على لسان ابن أدم هابيل قول اللّه تعالى: [ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسطٍ يديَ إليك لأقتلك إنّي أخافُ الله ربّ العالمين* إنّي أريد أن تبوء بإثمي و إثمك فتكون من أصحاب النّار و ذلك جزاء الظّالمين، فطوّعت له نفسه قَتْل أخيه فقَتَله فأصبح من الخاسرين ] المائدة 28- 30.

 

وقد قال الله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) ؛ كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم ) ؛

 

وقال عليه الصلاة والسلام ( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ) وقال : ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) وقال صلّى اللّه عليه و سلّم : ( إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فقَتل أحدهما صاحبه فالقاتل و المقتول في النّار، فقيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: قد أراد قتل صاحبه)

وجاء في حديثه صلى الله عليه وسلم : ( إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، و الماشي فيها خير من السّاعي. قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي و بسط يده إليّ ليقتلني، قال صلى الله عليه وسلم : كن كابن آدم”.)

 

إنّما هو ذلك الدين القيّم ؛ الذي يصون القيم، ،ويسمو بالهمم، ويرعى الذّمم ويستنهض العزائم، ويدافع عن الحريّات، ويعيد الأمانات، ويذود عن المستضعفين والمنكلين في الأرض وهو الدين الواحد الذي دعي إليه الناس جميعا في الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن. وقد قال الله تعالى : ( إنّ الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بأيات الله فإنّ الله سريع الحساب ) أل عمران 19

 

إنما الدين الذي أنزل على العالمين جميعا هو الإسلام فلا يكره أهل الكتاب على إعتناق ما أنزل على محمد إن آمنوا بما أنزل إليهم وما أنزل على محمد بل ليقيموا دينهم لله حنيفا كما قال الله تعالى : ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) وكما قال الله تعالى : ( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) المائدة 47

 

لقد فضّل اللّه الأقوام كلهم كما فضل أمّة محمّد – صلّى الله عليه و سلّم –  لقوله عز وجل ( كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )، في قوله تعالى : ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتيَ الّتي أنعمت عليكم و أنّي فضّلتكم على العالمين ]البقرة47،

 

إنّ الناس عند ربهم سواسيةٌ  كأسنان المشط ، إن يقيموا صراطهم غير ذي عوج وقد قال النبي محمد صلّى الله عليه و سلّم: ( لا فرق بين عربيٍّ و أعجميٍّ إلّا بالتّقوى و لا بين أبيضٍ و أسود ) وقد قال الله تعالى ( إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ) وما الأمة التي كانت خير أمة أخرجت للناس إن هي أمّة الناس جميعا فما أنزل على محمد إلاّ ما كان مصدقا لما بين يدي أهل الكتاب ..

 

ما كان أتباع الأنبياء الرّسل؛ ومن أهل الكتاب يحبّون أن تشيع بينهم الفاحشة، وما أمة آدم ونوح جميعا ينأون عن الحقّ، ويكفرون بأنعم اللّه. وقد قال اللّه تعالى: ( إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدّّنيا والآخرة والله يعلم و أنتم لا تعلمون ) النّور 19.

 

إنّما في متون هذا العصر يلزم أن نفهم الإسلام بغير ما مرّت به العصور، أمم قد خلت لنحمله على نحوٍ، متفق وتأويل أوسع وجامع أخر بما استفاض فيه قدماء أهل التّأويل وقد قال الله تعالى: ( و لتعلمنّ نبأه بعد حين ) ص 88 إنّ في هذا القرأن ما اجتمعت فيه عبر الأنبياء وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين )

 

 

error: Content is protected !!