الأمراء الاثنا عشر

 

ورد عن النبي صلّى الله عليه و سلّم حديثه الشريف (يكون من بعدي اثنا عشر أميرًا ) فجاء عن جابر بن سمرّة السّوائيّ أنه قَال: دخلت مع أبي على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فسمعته يقول: ( إِنّ هذا الأمر لا ينقَضي حتّى يمضي فيهِم اثنا عشر خليفة،.قال: ثمّ تكلّم بكلامٍ خفيَ عليّ. قال: فقلت لأبي: ما قَال؟ قال: كلّهم من قريش.)

 

وفي رواية عنه رضي الله عنه أنه ‏قال: ‏سمعت رسول الله ‏يقول في حجّة الوداع: ( إنّ هذا الدِّين لن يزال ظاهرًا على من ‏ناوأه، ‏لا يضرّه مخالف ولا مفارق، حتّى يمضي من أمّتي اثنا عشر خليفة، قال: ثمّ تكلّم بشيء لم أفهمه، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلّهم من ‏قريش” رواه أحمد. ‏

 

وقال صلى الله عليه وسلم : ‏: ‏لا يزال الدّين قائمًا حتّى يكون اثنا عشر خليفةً من ‏قريش، ‏ثمّ يخرج كذّابون بين يدي السّاعة” رواه أحمد. وقال : ‏لا يزال هذا الأمر مؤاتىً أو مقاربًا حتّى يقوم اثنا عشر خليفةً كلّهم من ‏قريش”.

 

روي هذا الحديث ونقل على صيغ عدة منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال أمر أمّتي صالحًا حتّى يمضي اثنا عشر خليفة) وقوله ( لا يزال أمر هذه الأمّة ظاهرًا حتّى يقوم اثنا عشر خليفة ) وقوله ( لا يزال هذا الدّين عزيزًا منيعًا إلى اثني عشر خليفةً كلّهم من قريش، قيل: ثمّ يكون ماذا ؟ قال: ثمّ يكون الهرج ) وقوله ( لا يزال هذا الدّين عزيزًا منيعًا إلى اثني عشر خليفةً ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي اثنا عشر خليفةً)

 

وجاء قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال هذا الدّين قائمًا حتّى يكون عليكم اثنا عشر خليفةً كلّهم يجتمع عليه الأمّة” وقال صلى الله عليه وسلم (لا يزال الدّين قائمًا حتّى تقوم السّاعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفةً )، وقال صلى الله عليه وسلم : ( يكون من بعدي اثنا عشر أميرًا” كما قال خليفة، وكما قال رجلًا، كما في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يزال أمر النّاس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا”)

 

لقد ذكر العلماء أنّ هؤلاء المبشّر بهم في حديث جابر بن سمرة، وقرر اهم أن يكونون مفرّقين في الأمّة، ولا تقوم السّاعة حتّى يوجدوا. وجاء في حديث ابن كثير في تفسيره تحت قوله تعالى: ( وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا ) بعد إيراد حديث جابر بن سمرة من رواية الشّيخين، واللّفظ لمسلم

 

قال العلماء السابقون الأجلاء بأن معنى هذا الحديث: البشارة بوجود اثني عشر خليفةً صالحًا يقيم الحقّ، ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم، وتتابع أيّامهم، أي( يتعاقبون واحدًا تلو الآخر ) بل قد وُجِد أربعة على نسقٍ واحدٍ، وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شكّ عند الأئمّة، وبعض بني العبّاس، ولا تقوم السّاعة حتّى تكون ولايتهم لا محالة، والظّاهر أنّ منهم المهديّ المبشّر به في الأحاديث الواردة، لكنّه لم يصح عددهم على الأربعة الخلفاء الرّاشدين وعمر بن عبد العزيز ومن جاء بعدهم

 

لقد ربط صلّى الله عليه و سلّم في هذا الحديث بين حقيقة قيام السّاعة، وحقيقة أن يكون قبل قيام السّاعة اثنا عشر خليفة كلّهم تجتمع عليه الأمّة كما أنّه صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يزال الدّين قائمًا حتّى تقوم السّاعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة )

 

وذكر العلماء أنّ الظاهر أن يكون منهم المهديّ المبشّر في الأحاديث الواردة بذكره، كما ذكره الحافظ، فإن كان منهم المهديّ، فهم لم يتّضحوا في زمننا هذا وقال السّيوطيّ في آخر جزءٍ من العرف الورديّ في أخبار المهديّ: ( إنّ في ذلك إشارة إلى ما قاله العلماء: إنّ المهديّ أحد الاثني عشر”، جاء هذا في منتخب كنز العمّال، و في تاريخ بغداد، وينابيع المودّة.

 

إنّ على ضوء بيان واتضاح صورة هذا الحديث مامن شأنه رأب الصدع ونبذ الاختلاف، والفرقة بين عموم المسلمين فما قد يتعارض من نبوءاته صلّى الله عليه وسلّم إلاّ ما يكون مكذوبا موضوعا أو خاطئا مسبوقًا في التّأويل فنبؤاته صلى الله عليه وسلم لآخر الزمان جميعها محكمة بليغة جامعة مؤديّة ودقيقة في اللّفظ، يعطف مضمون كلّ منها على مضمون الآخر، فلا تشذ جميعها عن سياقٍ واحد

 

ولقد قال صلى الله عليه وسلم : ( قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلّا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما ( عرفتم ) من سنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين (المهديّين)، عضّوا عليها بالنّواجذ، وعليكم بالطّاعة و إن عبدًا حبشيًّا، فإنّما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد ) كما قال صلى الله عليه وسلم : ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين ،وتأويل الجاهلين

 

كما قال صل الله عليه وسلم : ( تَركتُ فِيكم الثَّقلين، ما إن تمسَّكتُم بهما، لن تضلُّوا: كِتابَ اللهِ، وعِترتي أهلَ بيتي ) ولقد أوقف صلى الله عليه وسلم أحاديثه على قاعدةٍ عريضةٍ ينتفع منها على مرّ الأزمان وسائر العصور متعاقبة في حياة المسلمين، تحثّ على طلب الازدياد في العلم، وضرورة ملازمة التّفكّر، والاجتهاد فيما يطرأ جديدا من مسائل ونوازل العصر، كي يُتّبع فيه الحقّ، ويردّ ما دونه من الباطل فتلك هي من أجلّ أمور العبادة الصافيّة

 

ظنّ بهذا الحديث منذ صدر الإسلام الأول أنه يقع مباشرة من بعد وفاة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعلى اعتداد ورسل هذا الحديث تأسّس مذهب إخوتنا المسلمين الشّيعة المعروف (بالاثنى عشريّة) في حين لم يوافقهم عليه سائر المسلمين لعدم فهمه صحيحا وعدم ثبوته وجريانه صحيحا على أرض الواقع، فالخلاف بين المسلمين على أحقيّة الخلافة لم يقع مباشرة من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم

 

بل نشأ الخلاف وعلى مضمون هذا الحديث في عهد الخليفة عثمان ابن عفان وبعد توليّ الخليفة الرابع عليّ ابن أبي طالب عليه السلام بإيعاز من اليهود للمجوس والخوارج لكن ذلك الخلاف بقي مستفحلًا، ومتناوشًا في كلّ عصر بتشكيك أعداء الله، طيلة تلك القرون وسعيهم للايقاع بين المسلمين بامتهان أسلوب المكر والخداع وحرصهم الدّؤوب على التّشكيك والخلط في عقائد المسلمين وضخّ بينهم الفتن والقلاقل، ونشر بينهم الضّغائن والعداوات، وترويج بينهم الافتراءات والاكاذيب وتناقل أحاديث كلّها صنعت من نسج الخيال ما جرت ووقعت في التّاريخ، كي يطول بها بين المسلمين أمد الخلاف دونما إكتشاف يوما أنوار الحقيقة

 

إنّ عدم وقوع هذا الحديث بانتفاء اكتمال عدد هؤلاء الأمراء بتفسير باتر للخلاف المستشري بين المسلمين وقد إكتوت به جنبات هذا العصر  ممّا يدعو لاجتماع فيه المسلمين ، واخماد بينهم نيران الفتن وكبت بينهم موالد الشّرور وردّ الزّور والبهتان عن دين الله العزيز بما يقف عليه صلاح هذه الأمّة ووجوب مغادرتها الضعف وانتشالها من هذا الواقع المرير، وليدفع المسلمون عن أنفسهم ما يداهمهم من تلك الأخطار ويتسنى انتصارهم المحتوم بعد قرون من الضياع والشّتات والفرقة

 

إنّ لفي جزم كثير من إخوتنا المسلمين الشيعة أنّ صحابة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم اغتصبوا الخلافة بعد وفاة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، وإن هؤلاء الأمراء الّذين أشير لهم في هذا الحديث الذي إعتد به إخوتنا الشيعة ما يفيد أن هؤلاء الأمراء هم أهل البيت عليهم السّلام والذين تجب لهم الخلافة من بعد رسول الله بدءًا بعليّ بن أبي طالب عليه السّلام حتّى الإمام الثّاني عشر، وهو الإمام المهديّ المنتظر المعروف باسمه لدى إخوتنا الشّيعة محمّد بن الحسن العسكريّ.

 

لكن ما أوجزه الفريقين أنّ المهديّ يكون من بين هؤلاء الأمراء الّذين أخبر عنهم صلى الله عليه وسلم في الحديث. بينما يرى السّنّة أنّ النّبيّ لم يعرّف بإسم المهديّ، ولم يعرّف أيضا بأسماء هؤلاء الخلفاء، لذا يبدي أهل السّنّة رفضًا قاطعًا بوجوب تقييد الخلافة لأهل البيت، عليهم السلام في حين أنّ أهل السنة لم يعرفوا هؤلاء الأمراء، بحصرهم وإكتمال عددهم بما قد يوافق ظاهرا صحّة معتقد إخوتنا الشّيعة في حين لا يزال الشّك قائمًا عند البعض من إخوتنا الشيعة حول حقيقة مولد الإمام الثّاني عشر الذي يعيش مختفيًا على ما يزيد عن ألف عام.

 

لم تكن نّبوءات النبيّ صلى الله عليه وسلم مفصحةً لهذا القدر، الذي يذهب إليه إخوتنا الشيعة و ليس يضمّ قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في المهديّ أنّه قال اسمه كاسمي، ما يعني أنّ شخص المهديّ منكرٌ مجهولٌ، ثمّ يعود صلّى اللّه عليه وسلّم معرّفّا باسمه أو بعينه في موضعٍ آخر، أو يقول: “يكون من بعدي اثنا عشر أميرًا”، ثمّ يعود في حديثٍ آخر مصرّحًا بأسماء هؤلاء الأمراء من أهل بيته -عليهم السّلام-، فأيّهما عندئذ أصدق للخبر؟ وأصحّ جملة في الاحتكام؟

 

أوّل ما يتعارض مع تفسير هذا الحديث لدى إخوتنا الشيعة قوله صلّى الله عليه وسلّم: ( إنّا أهل بيت، اختار الله لنا الآخرة على الدّنيا، وإنّ أهل بيتي هؤلاء سيلقون بعدي، بلاءً وتطريدًا وتشريدًا). وقد وقع هذا كلّه ولم يقع نقيضه شيئ آخر، فكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بإن اختير لأهل بيته عليهم السّلام الآخرة على الدّنيا، زهدًا وصبرًا،وإحنسابا عدا أن يتحول نزاعًا دنيويّا متهافتًا على الخلافة، ممّا لا يليق بتطلعات أهل البيت عليهم السّلام. كما أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يعهد لأحد بعده بالخلافة، ويسمّي اسمًا صريحًا؛ ثم يخالفه مخالفةً واضحةً صريحةً، صحابة رسول صلى الله عليه و سلم

 

لقد كان أولى أن يقوم الخلاف لمّا بويع أبا بكر، ثمّ عمر ثمّ عثمان رضي اللّه عنهم ثمّ توليّ عليّ والحسن بن عليّ عليهما السّلام دونما مبعث لتلك الافتراءات، وتناثر لمثل هذه الشّكوك، فلم يكن لافتًا الاحتجاج إلاّ عند توليّ الخليفة الرابع بعد خلافة أبي بكر وعمر وعثمان.

 

حكم الخلفاء الأربعة رضي اللّه عنهم و الحسن بن عليّ عليه السّلام كان على منهاج النّبوّة، لكنّه لم يذكر أسماءهم، بل أخبر صلى الله عليه وسلم أنّ الخلافة من بعده تكون ثلاثون سنة ثمّ بعد ذلك يؤتي الله الملك لمن يشاء، وهذا ماجرى عليه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أحاديث النبؤات فلم يكن يذكر أسم أحد كما لم يذكر أسماء هؤلاء الأمراء، أو أسماء من يأتي بعدهم من الملوك، ولم يكن على غرار نبوءاته صلّى اللّه عليه و سلّم أن يفصح بأكثر من ذلك القدر

 

وقد جاء في صحيح الحديث: “الخلافة في أمّتي ثلاثون سنة ثمّ ملك بعد ذلك”، وفي رواية “خلافة النّبوّة ثلاثون سنة, ثمّ يؤتي الله تعالى الملك من يشاء، وما كان يجدر به صلّى اللّه عليه وسلّم أن يسميّ خليفةً من بعده بما شرّع ؛ بأنّ شأن الخلافة يكون شورى بين المسلمين دونما ينقضه صلى الله عليه وسلم إنّ نبؤات النبي صلى الله عليه وسلم مبتدئًا بجملة ” يكون ” أو من بعدي”،ليست تعني من يخلفه من بعده مباشرة صلّى اللّه عليه و سلّم

 

بل تنصّ على مجرياتٍ تقع في آخر الزّمان، وعند قول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم: ” يكون من بعدي” أو “من بعدي” أو قال: “يكون”، يؤخذ كلّه على الكينونة، والبعد كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم على غرار ذلك كثير من النبوؤات كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: صلى الله عليه وسلم : ” يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهدايَ، ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشّياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير؛ وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع و أطع”.

 

وكقوله صلى الله عليه وسلم : “إنّكم سترون (بعدي) أثرة, وأمورًا تنكرونها, قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدّوا إليهم حقّهم, وسلوا الله حقّكم, إنّكم سترون بعدي أثرة”. وكقوله: “لا ترجعوا (بعدي) كفّارًا, يضرب بعضكم رقاب بعض”. وكقوله : “يكون عليكم أمراء (من بعدي) يؤخّرون الصّلاة، فهي لكم، وهي عليهم، فصلّوا معهم ما صلّوا القبلة”

 

وكقوله: “(سيكون) في آخر الزّمان شرطة يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله، فإيّاك أن تكون من بطانتهم “صحّحه الألبانيّ. وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: ” (يكون عليكم ) أمراء يعذّبونكم ويعذّبهم الله” . وكقوله : “ليأتينّ على النّاس زمانٌ (يكون )عليكم أمراءٌ سفهاءٌ يقدّمون شرار النّاس، ويظهرون بخيارهم، ويؤخّرون الصّلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكوننّ عريفًا ولا شرطيًّا ولا جابيًا ولا خازنًا)

 

وقال: ” (سيكون عليكم) أمراء يأمرونكم بما لا يفعلون، فمن صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منّي ولست منه، ولن يرد عليّ الحوض”، رواه أحمد وقال: « (سيكون أمراء من بعدي ) يأمرونكم بما لا تعرفون، و يعملون ما تنكرون، فليس أولئك عليكم بأئمّة»،

 

وعن أبي سعيد قال: خطبنا رسول الله، فقال في خطبته: «… فيليكم عمّال من بعدهم، يعملون بما لا تعلمون، ويعملون بما لا تعرفون، فمن قادهم و ناصحهم فأولئك قد هلكوا وأهلكوا». وقال: « ( أمراء يكونون بعدي ) لا يهتدون بهديي، و لا يستنّون بسنّتي، فمن صدَّقهم بكذبهم، و أعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا منّي ولست منهم، ولا يردون على حوضي، ومن لم يصدّقهم بكذبهم، و لم يُعنهم على ظلمهم، فهم منّي و أنا منهم، وسيردون على حوضي».

 

وعن أبي هشام السّلميّ قال: قال رسول الله: « (سيكون عليكم ) أئمّة يملكون رقابكم، ويحدّثونكم فيكذبون، ويعملون فيسيئون، لا يرضون منكم حتّى تحسّنوا قبيحهم، وتصدّقوا كذبهم، فأعطوهم من الحقّ ما رضوا به».

 

وقوله: ( إنّ هذا الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء ) قيل ومن الغرباء قال : ( الذين يَصْلُحون إذا فسد الناس )  وفي لفظ قال : ( الذين يحيون سنتي ( من بعدي ) ويعلمونها عباد الله )

 

إنّ بعضًا من نبوءاته صلّى الله عليه وسلّم وقعت في زمن الاختلاف، وبقي القائم منها ما وصفه النّبيّ صلّى اللّه عليه وصفًا دقيقًا، لم يلحق آخر الزّمان حتّى قيام السّاعة. وقد أوصى عليه الصلاة والسلام تقريرًا عامًّا وشاملًا بمرور الإسلام بشتّى أصناف الحكم باقيًا عزيزًا حتّى قيام الساعة.

 

فحديث الخلافة المشهور عند الفريقين يعدّ معارضًا اعتبار أنّ هؤلاء الأمراء أو الخلفاء من أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقد قال صلّى اللّه عليه و سلّم: “تكون النّبوّة فيكم ما شاء اللّه أن تكون، ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثمّ تكون خلافةً على منهاج النّبوّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثمّ تكون ملكًا عاضًّا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثمّ تكون ملكًا جبريًّا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثمّ يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثمّ تكون خلافةً على منهاج النّبوّة”.

 

فيما لا يتّفق هذا الحديث لو تولّى الخلافة من بعد وفاة الرّسول صلّى اللّه عليه و سلّم اثنا عشر خليفةً من أهل بيته عليهم السّلام، فما يكون حكمًا على منهاج النّبوّة ثلاثون سنة، ثمّ حُكمًا عاضًّا، ثمّ حكمًا جبريًّا وما يعود على منهاج النّبوّة. عندما يبعث الله رجلا من أهل بيت رسول الله يملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا

 

إنّ أصل هذا الحديث و صحّته : (يكون من بعدي)، وهو لا يحمل تعبيرًا أدقّ على تعاقب الخلافة من بعد وفاة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، وذلك لم يقع بالفعل، و أصدق ما ما يكون من الصادق الأمين تقريره لأحوال كونيّة مستقبليّة مطلقة في البعد ليس لها أجلٌ معلومٌ إلّا حين يطرأ مغايرًا فتبرز مشاهدة واقعة،ودلائل قطعيّة، مجتمعة يخرج بها هذا الحديث الشّريف موافقًا سائر نبوءات النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لآخر الزّمان.

 

وبداية الحديث بكلمة: (يكون): أي أنّها محصّلة كونيّة مرتبطة بزمنٍ مطلق في البعد بما يوافق، ويصحب كثيرًا، ممّا رواه صلّى الله عليه وسلّم من أحاديث النّبوءات في سياقٍ واحدٍ ، فقوله صلّى الله عليه وسلّم: “يكون من بعدي” أي ما قد يكون من بعد خلافته على النّبوّة بخلافة راشدة على منهاج النّبوّة، ثمّ حكم عاضّ، ثم حكم جبريّ، يعود بعدهما الإسلام على منهاج النّبوّة.

 

وحيث لم يعثر على هؤلاء الأمراء متعاقبين، بل وكلهم تجتمع عليه الأمة أيّ بظهورهم مجتمعين تجتمع علي كلّ واحد منهم الأمة فلا تختلف مرّة، إثر مرّة، والأمّة لم تجتمع قطّ!  حتى يظهر هؤلاء الأمراء جميعهم بمعيّة ظهور المهديّ في عصرٍ واحدٍ، وفي خلافة واحدة كلّهم تجتمع عليه الأمّة، لمّا تكون مفتقرةً إليه وهو ذلك الإجتماع فيعود بهم الإسلام صحيحًا،على منهاج النّبوّة ممّا هو بدّ واقعٌ لا محالة قبل قيام السّاعة.

 

ولقد تأكدّ فيما يختصّ بهذا الحديث تفرق الأمّة في أحوال تقع في آخر الزّمان، يشتدّ فيها الانعزال و الإنقسام و الفرقة، و يكثر فيها النزال بين المسلمين. وما يقصد بالاجتماع إلاّ أن يكون مفقودًا في الأصل، حتّى يحصل بإذنه تعالى ممّا هو واقعٌ ليس فيه محالة حيث لم يحصل اجتماع المسلمين سلفًا في أيّ عصر، ليحصل ذلك الإجتماع، لمّا يبعث اللّه رجلًا من أهل بيت رسوله العظيم يملأ الدّنيا قسطًا و عدلًا كما ملئت ظلمًا و جورًا. لقد جاء في حديث الرّسول صلّى الله عليه و سلّم:

 

ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: (من بعدي) أي إلى ما تنتهي به هذه الأمة بأحوال تظهر في زمن الاختلاف، بغير عهدٍ سابقٍ يعود فيه الإسلام غريب كما بدأ غريب فيستأنف جديدا يجبّ كل ما قبله

 

 

“ينزل عيسى بن مريم عليه السّلام فيقول أميرهم المهديّ: تعال صلّ بنا، فيقول: ألا إنّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة من اللّه عزّ وجلّ لهذه الأمّة”. هنا أتى ذكر هؤلاء الأمراء مصاحبين المهديّ عليه السّلام إنّ من قبلنا سلكوا، ولم يظهر فيهم هؤلاء الأمراء، وقد أثار الشك إخوتنا الشيعة في مولد الإمام الثاني عشر .

 

وما كان من إختلاف المسلمين منذ صدر الإسلام الأوّل حول حديث النّبيّ صلّى الله عليه و سلّم ” يكون عليكم اثنا عشر أميرًا كلّهم تجتمع عليه الأمّة”؛ إلاّ ممّا تدارسه، و نسجه اليهود والمجوس إيقاعًا بهذا الحديث النزاع بين المسلمين، الذي لا يزال قائمًا حتى هذا العصر . لقوله صلّى الله عليه وسلّم: “لا يزال الدّين قائمًا حتّى تقوم السّاعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة”؛ كدلالة واضحة على هؤلاء الأمراء، و عامل واقع بالاجتماع عليهم قبيل قيام السّاعة

 

ليس بمعنى حصرهم باكتمال عددهم، ومعرفتهم الماضية، بل ظهورهم على الحقيقة مجتمعين في وقتٍ واحدٍ تجتمع عليه الأمّة في شتّى أقطار المسلمين؛ كما نقله و أخذه في الاعتبار فيمن سبق من العلماء، وهو إرجاء اكتمال عدد هؤلاء الأمراء قبل قيام السّاعة، وحيث أشار العلماء رحمهم الله إلى: أنّ من بين هؤلاء الأمراء يكون المهديّ (من بينهم) تعني وجودهم مع المهدي في وقتٍ واحدٍ.

 

وفي لفظ “لا يزال هذا الدّين قائمًا حتّى تقوم السّاعة”؛ أن (لا يزال): تأتي متأخّرة مشروطة قبيل انتهاء المجهول وقته، والمراد به هنا قيام السّاعة، و(قائمًا): صفة تكون ملازمة لهذا الدّين، وقوامته ومضيّه و تيسيره بإذنه تعالى. ولقد أورد إخوتنا الشّيعة الحديث “يخلفني من بعدي” بغير التفاتٍ لموضع ضعفه في اللّغة، وهو صلّى اللّه عليه و سلّم يملك جوامع الكلم، وما ينطق عن الهوى، (فيخلفني من بعدي) يغني أحدهما عن الآخر، وما يجتمعان فإذا أتت يخلفني فلا حاجة أن يأتي من بعدي، وما يصحّ في اللّغة ؛ فالصّواب لغةً “يكون من بعدي” كما هو في الصّحاح.

 

إنّ من الإرث الّذي تركه العلماء السّابقين من الفريقين ممّا هو شائك في مسائل الدّين بطاقة من الحرص والاعتناء والتّطويل، آخذين على عاتقهم تنقية العقيدة ممّا يكتنفها من الإلصاق و اللّبس، وممّا يعتريها من الشّبهات، ونقلها من مراتب الشكّ إلى مراتب اليقين لعودتها على المحجة البيضاء، بما أتوه من أقوال المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم، وما لم يأتوه فقد تركوه لحال الطّول.

 

ولقد كانوا على يقظةٍ دائمةٍ، وانشغالٍ دؤوبٍ، نذروه من أوقاتهم وأفنوه من أعمارهم بانصرافهم عن مؤنسات هذه الحياة، وابتغائهم الدّرجة الرّفيعة في الدّار الآخرة، وماقد أراد السّنّة والشّيعة من الأتقياء إلّا بغية اجتماع وصلاح هذه الأمّة. ولقد حدّد صلّى الله عليه و سلّم فقال: “كلّهم تجتمع عليه الأمّة” : أي تشهدهم الأمّة جميعهم، وهو يقع عليهم فعلٌ واحدٌ بتولّيهم جميعهم عليها بعد أن كانت الأمّة مفترقة ممزقّة ومتباعدة، فيكون الدّين قائمًا ومنصورًا بهؤلاء الأمراء جميعهم

 

وليس أن يجتمع ، المسلمين كلًّا منهم على حدة، وما ذكر صلى الله عليه وسلم أنهم متاعقبين فتجتمع الأمّة عليهم كلّ مرّة بتواليهم أو تباعدهم بل أطلق عليهم الجمع بما يفيد الأحياء دون الأموات فقال: تجتمع عليهم الأمّة؛ أي يكون اجتماع الأمّة عليهم حضرة مرّة واحدة، كفعل واحد وليس أن تجتمع إذا ظهر واحدٍ منهم، ثم تفترق على الآخر ولقد ذكر صلى الله عليه وسلم إفتراق هذه الأمة فقال : ” تفترق أمتي على ثلاث سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة” وما يستفاد من الحديث الحثّ على إجتماع الأمة بعد تفرقها لتعود الأمة فرقة واحدة هي الطائفة المنصورة والفرقة الناجيّة