الأبدية

 

أكثر من أيّ وقت آخر لم يعد يتصور الكثيرين وجود حياة بعد الموت دونما ثبوت قرائن ماديّة دامغة يصدّقها العقل عدا أنّهم يرون أنّ الموت يمرّ في ظروف غامضة لا يمكن التكهن بها والفصح عنها الآن

 

هؤلاء عادة ما تكون حياتهم منغصة ومليئة بالشقاء والبؤس فهم لم يتأقلموا مع مجتمعاتهم ربما بسبب تأثيرات خارجية عندما لم يتربوا في كنف أسر مترابطة وبيئة مستقرة محافظة

 

لقد دفوعوهم الفضولين الذين يقولون عنهم أنهم أفسدوا صفو حياتهم ومنعوهم من مزاولة كلّ شيء لذا فهم يطرحون في أعتاب هذا اليوم أسئلة كثيرة لكنهم يبدون أكثر صدقا من أولئك المتلونين بالنفاق

 

يطلق هؤلاء على أنفسهم العقلانين الذين فقدوا الصبر أو طال عليهم الأمد ولم يستطيعوا تحقيق أيّا من أحلامهم البسيطة لكنني أحمل يقينا بوجود حياة آخرة كما يحمل معي ذلك اليقين مليار من البشر الذين يؤمنون بقلوبهم وليس يقيسون كلّ شيء بعقولهم

 

ليس ينطبق على معنوياتنا عدا أنها عملة خالصة نقيّة ونزيهة ضدّ إشباع غرائزنا بغير طرق صحيحة ومهما حدث لا يمكننا الانفصال عن مشاعرنا وتجردنا تماما من تلك الغرائز إنّ معنوياتنا نسبة لمحدودية وماديّة العقل تمنحنا مجالا أرحب كي توقظ ضمائرنا وتشعل عوطفنا المتدفقة بتوافق مع العقل

 

لن يستطيع العقلانيين مهما بذلوا إثبات وجود إله عادل في السماء فليدعو عنهم هذا لأنّ في الأصل لا توجد براهين مادية كافية مهما بحثوا ونقبوا عنها طويلا

 

إن معنوياتنا أبدا لا تنسى ولا تخطيء كما ينسى ويخطئ العقل فهي من تدفعنا  إلى التفاني والبذل والعطاء .. دون مقابل مادي فهي القيمة الإسميّة والبوصلة الاستشعارية التي تحدد لنا الإتجاه الصحيح دونما إعتمادنا على العقل فمشاعرنا التي تتجاوز العقل لن تختلف عليها أبدا

 

لن تمنحنا المادة معايير كالأمانة والوفاء والإخلاص والصدق ولن تمنحنا الحبّ فالمعنويات تثبت وجود المادة وليست المادة تثبت وجود المعنويات

 

عندما نكون محبطين إلى حدّ مفرط وينتابنا حزن عميق قد يؤدي بنا إلى الوفاة وقد يدعو البعض إلى الإنتحار أو الموت الرحيم وفي حين أننا قد نفقد بعضا من خلايا العقل لكننا لن نفقد التمييز فالحيوانات تعيش بلا عقل لكنها لا تفقد التمييز

 

إنّ تصورنا بعدم وجود إله ينتصر في دواخلنا على الشرّ وقد كنا نؤمن به قبلا ونفتقده الآن يعد كسرا معنويّا لا يمكن هزيمته أبدا..  قد نؤمن لمن يمنحنا الحبّ والسلام

 

إنّ فشلنا لإيجاد دليل مادي دامغ نوطد به علاقتنا بالعالم الآخر ليس يعدّ فشلا بل قد يعّد خروجا عن المسار الصحيح إنّ مشاعرنا المرتبطة بغرائزنا ارتباطا وثيق تمكننا للعودة إلى الفكرة الصحيحة أو تصبح حياتنا مجرد ة من دفئ تلك المعنويات التي تصاحبها قيما ومبادئا لا يمكننا التنازل عنها

 

عند إستمرار ذلك التصور قد نعيش بلا معنى يتملكنا الملل السأم والضجر وتغزونا الوحشة ويلازمنا الاكتئاب عندما تفاجئنا كارثة ما قد نعود عن ذلك التصور ؟

 

طغيان المادة تحتم إيجاد أسس أخرى بديلة تمنحنا تلك السعادة ضيقت عالمنا كثيرا حتى أصبحنا جميعا نعيش في قرية صغيرة بعد أن كان عالمنا رحب الآفاق كثير التنوع عظيم الاتساع

 

وليس غير أن نحصل على كلّ شيء بالمال دون مقابل آخر نحصل على ما نريد ونتبادل كلّ شيء بقياس المادة فنبيع ضمائرنا  في سبيل حصولنا على المال

 

ليس يمكننا قتل معنوياتنا لتنتصر أخيرا المادة فذلك ما أوقعنا في الفخّ عندما نطالب بحريتنا المطلقة كي نتخلص من أغلال العبوديّة لنقع في عبودية أشدّ

 

لقد كنا نعبد الله لكننا تحولنا لعبادة البشر لن يتسنى لنا تحقيق غاياتنا مالم ننكر قبلا وجود إله عادل في السماء يمنعنا من تحقيق رغباتنا إذن اغتيال معنوياتنا لن يكون ثمنا عادلا أو هدفا صحيحا

 

إعادة تربية البيئة يكاد أن يكون أمرا شاقّا ومكلّفا جدا لولا نعلم جدلا كيميائية للمعنويات برابط وثيق بأنظمة المادة دونما فقط البحث في أصل المّادة ما يحتم إضافة أدوات جديدة لمصادر البحث

 

ما يشير إليه العلم الحديث أن كلا نصف من أبوينا وأسلافنا الذين سبقونا قد ساهموا ببناء جزء صغير منّا وأننا بذلك مرتبطون بأولئك الأغراب أكثر ممّا كنّا نتصور لكن أسلافنا الذين عاشوا حقبا على مدى تلك القرون نقلوا لنا شيئا من عالمهم الآخر وفي حين أنهم لم يسلموا هم أيضا من شرور أنفسهم وقد نقلوا إلينا تلك الشرور

 

عندما نتحدث عن جهاز المناعة الذي يقاوم المرض ويمكن أن يكون ثمة ارتباط بتأثير دوائي مقوّ يساعد على الشفاء من تلك الأمراض التي تفتك بالإنسان دون هوادة تلك الأدوية تستخلص من الغذاء والطبيعة

 

الأدوية المضادة المأخوذة من كيميائية المرض التي يمكن منها تلقائيا صنع فيروس المرض أيضا لم يتأكدّ مساعدتها على الشفاء التام بل قد تقوضّ جهاز المناعة وتؤدي عكسيّا إلى الموت البطيئ هذا ما تنبّه إليه أخيرا الأطباء لكن إذا كنّا نسأل عن أصل تلك الأمراض المستعصية فإنّ بعضا منها ناتج عن انحدارات في الصفات والسلوك ليس من أمامها غير الاستسلام الذي نادرا ما يصاحبه الإفاقة والندم ليس بقصد الشفاء لكن بقصد معايشة  المرض ..

 

إذا كنّا نسأل عن أمراض الوراثة فإنها صفائح دموية لا يمكن تقييدها مطلقا غير أنها قد تكون ابتلاءات لكن هذه الابتلاءات فيما قبل كانت سلوكا ضارّا  قاد إلى الأمراض المستعصية وأمراض الإعاقة سنقوم نحن أيضا من خلال تعاطي السلوك بتوريث تلك الأمراض الوراثية لأجيالنا القادمة إنّ صناعة الدواء الماديّ ليس كل شيء بل أن بعضا من الدواء وأعراضه تستفحل المرض في محاولة مستميتة للنجاة

 

ماذا يحدث عند إرتفاع المعنويات والتشبث بالأمل غالبا ما يصنع المعجزة في حين أنّ هبوط المعنويات بشكل حاد يعجل بالنهاية إننا هنا نتعامل مع أعصاب وخلايا دقيقة مجهولة العمل فعمل تلك المعنويات بصورة صحيحة هو ما يقوم بتنظيم ذلك بصورة فائقة تقينا أساسا من الأمراض إذن كيف نقويّ معنوياتنا ونأخذ ذلك أولاّ بالحسبان لئلا نكون دائما عرضة للمرض أظن أنه لا يوجد سبيل آخر سوى حرز السلوك القويم وبكلمة أخرى صيانة الأخلاق

 

إن العلم الحديث لا يتعاطى مع الماديات بل يغفل كثيرا جانب المعنويات لذلك هو لا يمضي بشكل صحيح أويصل إلى شيء مبهر لأنّه لا يستسيغ فكرة معالجة السلوك ويبدو أمام ذلك عاجزا .. فليس يملك تلك الأدوات ولا يملك نهجا لذلك الطريق

 

إننا نعيش في عالم معنويّ مليء بالاحباط  وعندما نريد الارتباط بآخرين فإن أول ما نسأل عنه هو الأخلاق إننا نريد أن نكون في مأمن من ذلك عدا أيّ شيء آخر

 

كل ما اكتشفه الأطباء ماديّا حول صحة الإنسان ليست إلاّ اكتشافات أوليّة تتعامل ماديّا مع المرض دونما  تتعامل مع جوهر وصفة الإنسان ومعدنه قبل أن يشكو من المرض إنّ كثير من المهيئين للمرض لن تكون لديهم مناعة كافية إنّ هذه المناعة لا تعود إلى عوامل مكتسبة بل تعود إلى تهيئة عوامل الوراثة .. فعلينا إذن صنع  لأنفسنا مناعة جيدة تتوافر فيما بعد لأجيالنا القادمة

 

سبب كثير من الأمراض الوراثية ينحصر بوجود مضغة سلوكيّة مخلقة وهو ما يكون عليه الإنسان بالفطرة ومضغة سلوكيّة غير مخلقة تتشكل فيها جزء من عوامل الوراثة والجزء الآخر من عوامل الاكتساب

 

طمس عوامل الوراثة وتحولها جميعا إلى عوامل مكتسبة أمر قابل للحدوث كما أنّ عوامل الاكتساب تتشكل وفقا لصراع أبديّ متنازع بين البشر لكن الله سيسأل البشرجميعا عمّ كانوا يعملون.. لقد قال الله تعالى في الآية من سورة : (فوربك لنسألهن جميعا عم كانوا يعملون ) كما أنّ الله يأخذ البشر بذنوبهم جميعا حتى أولئك الذين لم يذنبوا وعد أن يستثنيهم من العذاب كما جاء في الآية من سورة قول الله تعالي ( ثم ننجي الذين آمنوا ونذر الظالمين فيها جثيا ..) س مريم

 

إنّ جميع المخلوقات في الكون والبيئة لا تتصف أنها خلقا ماديّا فقط بل إنّ كلّ شيء مخلوق له جانب معنوي أيضا كذلك لقد روعي في خلق الموجودات خلق معنوي يتصل ماديّا بالإنسان إننا هنا لن نتحدث عن مخلوقات فضائية ليس يمكننا معرفة عنها أيّ شيء

 

إنّ مخلوقا كالشمس يمنحنا الحيويّة والدفء ذلك يرتبط بشيء من الحنان مثل ذلك يستحيل أن يخلقه الإنسان إنّ جميع المخلوقات في البيئة لها علاقة معنوية مرتبطة ومعكوسة على الإنسان مشروطة بالسلب والإيجاب بمعنى البناء أو الهدم

 

عندما نحرث ونحصد الأرض نمنح تلك القيمة المعنويّة التي تشعر بها الأرض أيضا فتبادلنا العطاء بالعطاء إنّ الأرض تتعاطف مع الإنسان ويمكنها أيضا فعل شيء آخر كالزلازل والرياح ويمكن للشمس أن ترسل إلينا شهبا حارقة فهكذا تتفاعل الطبيعة وليس يمكن فصل ذلك القانون المعنويّ أبدا .. عن المادة