أمة واحدة

 

على صفحات هذا الكتاب أخاطب روح الأمة الإنسانية جمعاء وأحاكي الجياش والشعور والوجدان لما يقع على بني الإنسان من فقد وثكل وحسرة ونحيب وحرقة ولوعة وحرمان وأحسب لثمّة يوم موعوديتآلف ويتحاب فيه البشر فيجعلهم الله أمة واحدة صالحة عابدة قانتة يستخلفها من بعد ذلكم الأرض 

 

لقد قال تعالى [وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأَرضِ كما استخلف الذين من قبلهِم وليمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهِم أَمنا يعبدونني لا يشرِكون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأُولئك هم الفاسقون ] النور 55 وقال عزّ من قائل : [ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ] الأعراف من الآية 5 ,6وقال [ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إنّ في ذلك لبلاغا لقوم عابدين } الأننبياء: 105

 

إنّ لشجب العالم وإدانته للأحداث الجارية المؤسفة التي لا تسرّ العدو ولا الصديق ليدعوه أن يعود لمكارم الأخلاق ومحاسن الأعراف والعادات والتقاليد وفضائل الأديان التي تأمر بالعدل والإحسان وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتدعو الإنسان إلى محبة أخيه الانسان .لقد قال رسولنا الكريم : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه.وقال [لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا و لن تؤمنوا حتى تحابوا , ألا أدلكم على شىء إذا فعلتموة تحاببتم , أفشوا السلام بينكم ]

 

ليس صحيحا أن يقتل الناس بعضهم بعضا وما يعلمون مخبأ المصير وما يكره من الناس إلاّ قبائح أفعالهم ما أن تبدل وتزول ليهدون إلى شدن المحبة والمودة وليكسبهم الترفق ويكسوهم التحنان لقد قضى الله أن يكون الناس بعضهم لبعض عدو ظهير حتى ينيبوا إلى الله ويهتدوا إلى صراطه المستقيمفلقد قال : [ قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ] الأعراف 24وقال [ وقلنا إهبطوا منها جميعا إما أن يأتيكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ]

 

وإني لأهيب بالناس أن لا يقنطوا من رحمة الله وتقسى قلوبهم بعد أن طال عليهم الأمد بل لتخشع قلوبهم وليعيدوا عميق إيمانهم بالله واليوم الآخر وليتذكروا أنّ الجنّة حقّ وإنّ النّار حقّ وليعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا يتفرقوا وليتعاونوا على البرّ والتقوى لا أن يتعاونوا على الأثم والعدوان قال الله تعالى : [ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحقّ ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون * ] الحديد 16

 

وقال : [ وإعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألفّ بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ] العمران 103 وقال [ وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إنّ الله شديد العقاب ] سورة المائدة 2ولقد قال اللّه الغنيّ الحميد : [ يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير ] سورة الحجرات

 

وقال : [ يا أيها الناس إتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيبا ] سورة النساء 1وقال : [ وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقرّ ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ] الأنعام 98

و

قال :[ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلاّ الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينّات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ] سورة البقرة 213

 

قال تعالى : [ ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير] الشورى 8وقال : [ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون ] سورة النحل 93 وقال : [ لو شاء ربك لجعل النَاس أُمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إِلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمتْ كلمة ربك لأملأن جهنَم من الجنّة والناسِ أجمعِين ] سورة هود 119 وقال : [ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة . ولكن ليبلوكم فيما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ] المائدة 48 وقال : [ إنّ هذه أمتكم أُمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ] الأنبياء من الآية 92

 

ليستحيل أن ترحل مآسي العالم إلاّ أن يتوب الله على سواء الخلق ولو شاء الله لأدخل الناس في رحمته أجمعين إنمّا على الناس أن يعودوا حميدين للذي بيده ملكوت السموات والأرض ويتّبعوا شرائعا نورانية ربانيّة تقودهم إلى العفو والصلح والتسامح وروح الآخاء والألفة والوداعة والمحبّة

 

إنّ الناس يعملون لحياة زائلة ويمضون في حياة لاهية فما يدبر عنهم الحزن وما يوليّ عنهم الكدر وما أتوا الله طائعين أفعمت صدورهم باليسر والإنشراح وجعل الله لهم مخرجا ولأنزل عليهم بركات من السماء ولأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم قال الله تعالى : [ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ] المائدة 66

 

وقال : [ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ] الأعراف من الآية 97 وقال : [ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ] البقرة 103 فليس من سبيل أن يتعايش الناس مالم يحكموا بما أنزل اللّه من البينات ونور الهدى والحقّ ولن يعدلوا وهم يجعلون اللّه من وراء ظهورهم ويقدموا من بين يديه ما تملي عليهم أهواءهم ويتبعون الظنّ وما يغني الظنّ عن الحقّ شيئا بل يضلّ الضلال البعيد

وقد قال تعالى [ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإنّ كثيرا من الناس لفاسقون * أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ] المائدة 50 وقال : [ وليحكم أهل الإنجيلِ بما أَنزل اللَه فيه ومن لم يحكم بما أَنزل اللَه فأُولئك هم الفاسقون ] المائدة 138 وقال عزّ من قائل :[ فلا وربِك لا يؤمِنون حتَى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أَنفسهِم حرجا ممَا قضيت ويسلموا تسليما ] النساء 65

 

إنّ ما أنزل الله في كتبه وجاء موافقا على لسان رسله وأنبيائه سائرا للوصول ومحتما للحصول وما أن يغفل الناس عن آيات الله يحلّ بهم نكال أليم ولعندما تقفل أبواب التوبة لا تستحلّ المغفرة وما أن تأتي بعض آيات اللّه لا ينفع نفس إيمانها ما لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ولا تجزي نفس عن نفس شيئا ويصير الأمر عندئذ كلّه للّه قال اللّه العزيز [ استجيبوا لربِّكم من قَبلِ أَن يأْتِي يوْم لا مردّ له من اللّه ] الشورى 47 وقال : [ واتقوا يوما لا تجزي نفسعن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولاتنفعها شفاعة ولا هم ينصرون ]

 

وقال عزّ وجل : [ هل ينظرون إلاّ أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون ] الأنعام 158 وقال [ يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ]

 

فلأولى أن يسارع الناس إلى مغفرة من ربهم وليهجروا معاصيهم وليقدموا لأنفسهم خيرا من عند الله يجدوه وجنة عرضها كعرض السماء والأرض وليحمدوه على ما آتاهم من الفضل وليشكروه على ما أصابهم من المكروه وقد قال : [ وسارِعوا إِلى مغفرة من ربِكم وجنَة عرضها السَموات والأرض أُعدت للمتقِين ] العمران 133وقال : [ سابِقوا إِلى مغفرة من ربِكم وجنّة عرضها كعرضِ السماء والأرضِ أُعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتِيه من يشاء والله ذو الفضلِ العظيمِ ] الحديد 21

 

إنّ الله يغفر إذا ما تمنى عليه عبده وإنطرح خشية من بين يديه وإنّ الله يغفر لمن سبقت لهم منه الحسنى ويدخل الله من يشاء في رحمته ويغفر لمن يشاء بغير حساب لكنه لا يغفر لمن أشرك به شيئا ويغفر ما دون ذلكوقد قال: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ] النساء 48 وقال : [ إنّ الذين سبقت لهم منّا الحسنى أولئك عنها مبعدون * لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون * لا يجزعهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ] الأنبياء 103وقال : [ قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * ] الزمر 53 وقال [ نبأ عبادي أنني أنا الغفور الرحيم وأنّ عذابي هو العذاب الأليم ] الحجروقال [ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ]

 

أما أن يرى الناس بشراهم إن تذكروا ربهم وجلت قلوبهم وخلصت إليه نواياهم وأما يروا إن كان خيرا بخير وإن كان شرّا بشر لقوا من بعده اليسر والإنشراح أو لقوا من بعده العسر والضنك وقد قال تعالى : [ فمن يعمل مثقال ذرَة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ] الزلزلة 8 وقال : [ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ] وقال : [ إن الله لا يظلم الناس شيئاً ] يونس 4 وقال : [من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ] فصلت 46 وصلى الله وسلم على نبينا الهادي محمد وعلى آله ورضي عن صحبه ومن تبعه بعدل وإحسان إلى يوم الدين

 

أضف رأيك من هنا