السنة والشيعة

 

اختلاف البيئة يقود الطباع، وسبل العيش فالبدو الرحل ومن يقنطنون القرى النّائية، اعتادوا حياة صارمة على قدر من المشقة والاحتمال في حين من يعش في المدينة مطل على البحر أكثر مرونةً، ومعرفة وقبولا للآخر لم تأت الأديان تنكر محامد التقاليد بل تدعو الناس جميعا للتهاد والتحاب بينهم

 

بينما يمتد عزاء الميّت لثلاثة أيام، أو يتم دفنه سريعا وعند إحياء بعضا من المناسبات الدينية بتأويل للنصوص يعود عمومها مكفرا بينما تأت علة التحريم  ويرى  البعض مثل هذه القشور كإحياء ذكرى مولد الرسول بدعة منكرة في الإسلام ويرى البعض بجواز ذلك ولمثل هذا ينشأ عميقا الخلاف

 

وتطفو هذه العوالق على السطح مفسدة الرّؤية، يقع عليها، متفشّيًا التّأثير، يتقدّم عليها الانتماء للأعراف، المستحبة ويساء بها الظن وعند إضفاء شيئا من تلك الطقوس الدينية المسنكرة التي لا تزال باقية مند آجال قديمة انتقلت عدوى بين الشعوب قد لا يستفحل عليها مطلقا الخلاف إلا عندما تنسب إلى الأديان دونما تنسب لعادات مبتكرة وليست محبوبة وهنا يتقدم العقل

 

ما يقوم به إخوتنا المسلمون الشيعة العرب من تلك الطّقوس المستغربة كأدوات لإحياء المناسبات الدّينيّة كذكرى استشهاد أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم عليهم السلام، تصويرًا لم لقيه أهل بيت رسول الله من ملاقاة مريرة أحزنت، قبل وقوعها وقد تصور عليه الصلاة والسلام ما سيتعرض له من بعده أهل بيته المنتجبين حتى ذرفت عيناه بالدموع لكن هذا لا يدعُ الشيعة إلى هذه الممارسات وكلّ هذا التهويل ..

 

عندما يقوم شيعة العرب بشجّ رؤوسهم،بالسيوف وضرب أجسادهم بالسلاسل، إبداءً لعميق دلك الحزن والأسى، شجبًا واستنكارًا لما لقيه أهل البيت عليهم السّلام من التنكيل والقتل – ما قد تدمع له كلّ عين، لكن ممارسة هده الطقوس التعبيرية ليس كفيلا بإنهاء الجور والظّلم، ونشر الفضيلة كما يجزم بذلك إخوتنا الشيعة

 

في القرن الرابع الهجري أدخل التشيع إلى على أيدي الشيعة العرب وبحسب عقيدتهم الاثنا عشرية إلى بلاد فارس وإلى أقاصي الشريط الحدودي لبلاد الأعاجم  السّند، والهند، والصين والبلقان، ومن المفارقات أن رُدّت بالمقابل للشيعة العرب طقوسًا وممارسات للأعاجم لا تمت مطلقًا بصلة للشيعة العرب، وكما يصفها الشيعة أنفسهم أنها لا تعد إلا تلاعبًا بالمشاعر لم يكن الفرس قبل هذا التاريخ يعرفون التّشيّع غير ما نقله إليهم المسلمون الأوائل

 

إنّ من يقتدي بأثره العظيم المسلمون جميعًا هو النبي العربي محمد صلّى الله عليه وسلّم، وكما يقتدون بأهل بيته عليهم السلام وما فعل محمدا وأهل بيته النجباء شيئا من ذلك قط إن السنة والشيعة لن يُؤْثِرَوا دونما أنفسهم حبا متفانيا صادقا ل -أهل البيت أو للصّحابة- مالم يعملوا صالحا لأنفسهم ومالم  ينتصحوا بما نصح به رسول الله ومالم يستحلوا ما حرمّه الله عليهم

 

دخل الإسلام الأول إلى بلاد فارس، لكن صور المجوس بروايات مختلقة أن العرب قومًا معتدين، غاصبين اقتحموا بلادهم وسبوا حرائرهم وأسقطوا لدخولهم امبراطوريتهم  العظيمة لم يعتدي العرب إلا أن جماعة من الفرس نصبوا لهم العداء  وما يدينون العرب بسبب دخولهم في الإسلام. بل هو فضل يقيّد للفرس وللشيعة العرب أن دخلوا الإسلام لقد دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم اختيارا دونما إكراه للإسلام فأجابوا دعوته

 

راهن اليهود على فرقة المسلمين وأوجدوا نزاعا على أحقيّة الخلافة منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وحرضوا على لعن الصّحابة، ولعن أهل البيت على حدّ سواء ونعتوهم بأحقر الأوصاف وألصقوا بهم كثيرا من التهم ..

 

إنّ ما بين السّنّة و الشّيعة على مدى العصور ليس خلافًا دينيًّا، إلا ما يدور سياسيا مند زمن الإسلام الأول منصبا حول أحقيّة الخلافة،  ولا يزال مفعلا حتى هدا اليوم بغلاف ديني في أروقة السياسة

 

لم يعد بين المسلمين سوى النيل والعداوة، والبغضاء، و النّفور الممتدّ بلا نهاية مؤجّجًا مساره المخيف إلى الأبد. إنّ على غرار ما حدث على مرّ التّاريخ من التّراجع، والانقسام، والتّفريق، و العزل بين المذاهب، و الأديان، الدي يطال الدّين الواحد.

 

إنّ اللّه قد كتب في هذا العصر أن يولّي الخلاف بين المسلمين للأبد،. وإنّ ما يجب أن يعلمه المسلمون جميعًا، أنّهم في آخر الزمان أقربون للضلال في عصر رفع فيه العلم، ونزل فيه الجهل، و عاد فيه الإسلام غريبًا كما بدأ غريب.

 

لقد برزنا اليوم للّه الواحد القهّار، وليس إلا أن يكون المسلمون صفًّا متراصّا كالبنيان، وجسدًا واحدًا، إذا ما تداعى له عضوٌ تداعت له سائر الأعضاء بالسّهر و الحمّى.

 

لمن الفضيلة الاعتراف بأخطائنا المشهودة الّتي قد لا تكاد تغتفر، لأنّنا لسنا ملائكةً، بل لأننا بشر يصيبون، ويخطئون، و إنّنا جميعًا مخطئون، وشركاء في أخطاءنا اليوم، وإنّنا سواءً نبحث عن الحقيقة الواحدة

 

عندما نرتكب جملة من الأخطاء، فلا يجب أن ننساق من وراء الفتن، ونقول أننا نحارب من حولنا البدع، ونستعدي ممّن نقول عليهم زورًا وبهتانًا أنّهم يتبرّكون بالحجر والشّجر، أو إنّهم لا يزالون يعبدون القبور، فإن كانوا يعبدون اللّه فأنّى لهم أن يعبدون القبور!

 

إنّ فريقا من المسلمين لن يكون مصيبًا دون الفريق الآخر، بل إنّنا جميعنا على الدرب سائرون، ولا بدّ إلاّ أن يكون بيننا أشرار، وبيننا أخيار، ومنّا من هو مليء قلبه بالضغينة ليس يقبل بوحدة المسلمين

 

إنّ ما يجب أن نقف موقفًا صحيحًا منصفًا عادلًا، علّ أن تنضح قلوبنا سائل العداوة والبغضاء، فيكفّر الله عنّا سيّئاتنا، ويغفر لنا ذنوبنا إن نّتقي يومًا، توجف فيه القلوب وتشخص فيه الأبصار

 

إن الله لن يأخذنا بجهالتنا، وإنّ ديننا الإسلام الحنيف ليس يدعو غير أن نزيح عذابات الآخرين، فإن لم نمدّ لهم يوما يد العون، فليس يجب أن نسبّب لهم مزيدًا من الآلام.

 

إنّ إخوتنا من الشّيعة العرب، وهم أبناء جلدتنا، قد يشعرون أنّهم يعيشون في أوطانهم كالأغراب. وجلّ ما يريدون احتواء وطنيّتهم، الصادقة وتبادل قدر من الاحترام، لكم يتوق الشّيعة العرب للمفاتحة، ويحلمون كما نحلم – نحن أيضًا – بتحقيق المساواة والعدل

 

إنّ الشيعة يملكون قلوبًا طاهرةً مؤمنةً رحيمةً،إنهم مسلمون، وليس يدّعون الإسلام، وإنّهم ليدعوننا كما ندعوهم – وقف استشراء الجور والظّلم .. ويبحثون كما نحن نبحث أيضا عن مسار الفضيلة. وللشيعة ألين قلوب و أكثرها إيمانًا و خشيةً

 

إنهم يفتخرون بعروبتهم، وقد يغضبهم عموم القول إنّهم مجوس ومطايا لليهود، بل هم من بايع الرّسول صلّى اللّه عليه سلّم، سلما دون حرب وقد أثنى عليهم وإمتدحهم رسول الله إنّ الشيعة  صادقين يمنحون بسهولة ولائهم

 

إنّ الشّيعة الصادقين سليمون من تلك المغالطات، وبريئون من تلك، التّهم، التي قد تنسب صحيحا للمجوس أو تنسب للخوارج وليسوا بذيئيؤا اللّسان، يشهّرون بأمّ المؤمنين عائشة، أو يسبّون إلى صحابة رسول الله إلى غير ما يُلصق بهم من شناعة تلك التهم، مما يشيعه بيننا الأعداء إنهم يعلمون ما يجب من التّحلّي بخلق النّبيّ الأكرم صل الله عليه وسلم وقد كان خلقه القرآن. ولم يكنلعّانًا وفحاشًا

 

وإذا ما كان للسّنّة مغالون، ومتطرّفون فلشّيعة مغالين، ومتطرّفين وليس الجميع يحمل صفة الأشرار، بل يقولون بألسنتهم مالا يلامس صفاء قلوبهم.

 

لم يكن لدى المسلمين على مدى من القرون غير التّمييز، والإقصاء، و العزل والتّهميش، ومنع أقلّ و أبسط الحقوق، فما يجد المسلمين إن كانوا على مذهب واحد غير تبادل الشّتائم، والسباب دونما يستيقنون لمن يلقي في طريقهم العثرات وممن يصنع لهم الدّسائس، ويطل عليهم الإفتراءات والأكاذيب

 

لم يفكّر السّنّة والشيعة أن يدعوا يوما  أنفسهم بنوايا خالصة صادقة، فلم يكن السنة والشّيعة العرب يوما يشعرون بانتمائهم لإسلامهم وعروبتهم ولم يكن يدعون لأنفسهم، بل تركوا أنفسهم لقمة سائغًة لليهود.

 

لم نلتفت إلى جرح عميق تكوّر في التّاريخ، ولم يكن يهمّنا أن نلتفت إلى الجراح، لقد زرع اليهود رجالًا بيننا باعوا ضمائرهم، وتخلّوا عن دينهم بعرضٍ زائلٍ من الحياة الدّنيا، ليكبتوا مشاعر المسلمين ويتلاعبوا بعواطفهم، ويقيدوا بينهم نيران  الفتنة كلّما انطفأت.

 

ولينهلوا للمسلمين من الأساطير الّتي استحكمت زمنا في العقول حتى أحدثت انتصارًا حقيقيًّا موسّعًا فوهة الخلاف، ولقد زرع اليهود منذ صدر الإسلام في نفوس المسلمين، العداوة والبغضاء وليس ما بين الشّيعة والسّنّة على مرّ التأريخ هو أمرٌ حقيقيٌّ، بل أمر مصنوعٌ، ومفتعلٌ.

 

إنّ في زماننا هذا لا بدّ أن تنوخ المطايا، وترخي الرّحال، لنبدأ عصرًا جديدًا ننزع فيه من صدورنا >لك الغلّ، ونُقبلْ على الصّفح والتّسامح إن لم نتهادى ونتحاب لن ندخل جنّة عرضها عرض السموات والأرض.

 

 

أضف رأيك من هنا